Type to search

أدب وإصدارات

“أبو القاسم محمد كرّو” رائد التنوير المغمور وعلامة فارقة في تاريخ تونس

شارك
ليلى العوني – الأيقونة الثقافية

الإبن الروحي للمفكر الطاهر الحداد وأول من كتب عنه مدافعا عن فكره متبنيا لأفكاره ومعتنقا لدينده نصرة للمرأة وللتحررها، أبو القاسم محمد كرّو المفكر والكاتب والناقد المجهول الذي ظل حبيس كتبه ولم يعرفه الجيل الجديد من الشباب، علم من أعلام الثقافة التونسية ورائد من رواد تنويرها وجب علينا أن نضيء مسيرته الحافلة بالكتب والمواقف وأن نذكر الشابات والشباب بمن هم حقيقة السبب في هذا التحرر الذي تعيشه تونس ونساء تونس مقارنة بكل الدول العربية الأخرى ومن هذا المنطلق نظم منتدى الفكر التنويري التونسي ندوة فكرية بدار الثقافة ابن رشيق، تخليدا لذكرى الراحل، حضر وحاضر فيها عديد المثقفين والصحفيين الذين عاصروا الفقيد وتأثروا بفكره أو من الجيل الحالي الذين إهتموا بشخصيته ودرسوا كتبه.

لم يكن المفكر أبو القاسم محمد كرّو من محبي الشهرة الزائفة وجذب الإنتباه إليه عندما دافع عن الفكر الطلائعي للطاهر الحداد محرر المرأة التونسية بل كان فعلا يؤمن بأفكاره ويدافع عنها من منطلق إعتناقه لها والشهادة بمصداقيتها حتى أنه نشر في مرة عقد زواجه الذي ينص على أحقية زوجته في الطلاق.

وفي كلمته المعنونة بـ “أبو القاسم محمد كرّو مثال المثقف الرائد” قال الأستاذ جلول عزونة معرفا الراحل بأنه نشر أول كتاب نقدي تعريفي بأبي القاسم الشابي في بيروت وهو لايزال طالبا ببغداد وساهم هكذا في التأكيد على نبوغ الشابي وعبقريته الفذة وهو أول من أنشأ سلسلة “كتاب البعث” الشهري وساهم فيها بعديد العناوين كما ساهم أيضا في إقناع عديد المثقفين بقيمة عطاء أبناء تونس من أدباء وكتّاب وكان عمى المعاصرة واعيش في نفس المكان والغيرة كذلك يحجب قيمة إنتاج أبناء البلد.

وكان الراحل يقوم بمئات المحاضرات في كل مكان من تراب الجمهورية ويكتب مئات المقالات في الجرائد والمجلات ويقوم بحملات على من يشوّه أدب وأدباء تونس ويؤلف ويطبع الكتب في دار النشر التي أسسها.

أبو القاسم محمد كرّو والطاهر الحداد

تحدثت الأستاذة الشابة صفاء سلولى عن تأثير فكر الطاهر الحداد على أبي القاسم محمد كرّو في كلمة تحمل عنوان “عبقرية الحداد..سيرة مفكرين إثنين” وفيها درست الباحثة كتاب كرّو “عبقرية الحداد” لتعتبره ترجمة لسيرة رجلين إثنين يتقاربان في الأصل والتكوين والفكر والمنهج إلى حد كبير فكأننا بكرّو لا يحتفل بشخصية تونسية قيمة فحسب بل هو يعكس صورة نفسه في صورة الطاهر الحداد ليستحيل المؤلف في عدة صفحات منه حجة منه لبيان فكره وموقفه. كما يذوب ضمير المتكلم “أنا” في ضمير الغائب المفرد “هو” في مواضع عديدة من الكتاب.

هذه السيرة المزدوجة نظمها كرّو بطريقة تنحو نحو الجمع، إذ لا يمكننا إعتبار “عبقرية الحداد” كتابا جديدا أضيف إلى مكتبة كرّو الخصبة لأنه كان قد جعله متضمنا لأربعة كتب وهي “كتاب الطاهر الحداد: رائد الحرية ونصير المرأة”، “مع الطاهر الحداد دائما”، “دفاعا عن المرأة” و”الملاحق والصور”.

أبو القاسم محمد كرّو والحبيب ثامر والقضية الفلسطينية

أما الأستاذ محمد علي بلحولة فقد كان من معاصري كرّو الشاب المناضل في سبيل فلسطين، الحماسي والمندفع حيث تكونت في تونس “هيئة وطنية عليا” ولها فروع في مختلف جهات البلاد لجمع المال والدعوة للدفاع عن فلسطين ومنذ بداية عام 1948 سارت قوافل التطوع وقارب عددهم 300 متطوع وكان من بينهم مكرمنا كرّو الذي فضل الإلتحاق بصفوف المتطوعين.

كانت رحلة طويلة وشاقة وكتب تفاصيها في كتاب بعنوان “الشهيد الحبيب ثامر في ذكراه بالوثائق والصور” نشرته دار المعارف سنة 1999. إن أهم ما يلفت نظر القارئ في الكتاب حديثه الصريح عن كل الشخصيات البارزة وغير البارزة التي عرفها في رحلته ولكل الذين ساعدوه في طريقه للدفاع عن فلسطين. لم يحظ كّرو بالجهاد أو الإستشهاد حيث وهو في طريقه إلى فلسطين علم بأن الهدنة قد أعلنت وتم كل شيء وهو في بنغازي – ليبيا ولكنه عزم على مواصلة طريقه بلاد الشرق للدراسة وكان أكبر المساعدين له الطبيب المناضل الحبيب ثامر. ذهب الراحل إلى مصر ثم إلى العراق أين درس في دار المعلمين العالية ببغداد في أكتوبر 1948 بفضل جهود ثامر. أصبح كرّو من بين المهاجرين الوطنيين الذين واصلوا الكفاح خارج حدود الوطن وما إن جنح المعتدون للسلم والإعتراف بحق التونسيين في إسترجاع ما إغتصب منهم حتى عاد إلى وطنه في سبتمبر 1954. شرع في العمل وشارك في نادي القلم ورابطة القلم الجديد وغيرهما كما قام بالتدريس في مكتب بن عبد الله بالصباغين التابع للتعليم الزيتوني كذلك درّس في معهد ابن خلدون الزيتوني قبل أن يصبح كلية الآداب.

أبو القاسم محمد كرّو شاعرا

وعن أبو القاسم محمد كرّو يقول الأستاذ عبد السلام لصيلع أن الحديث عن الراحل لا ينتهي فهو الأستاذ والمربي والعلامة والباحث والمؤرخ والناقد والناشر والإعلامي وهو الشاعر أيضا وهو المناضل السياسي والثقافي وترك عديد الكتب والمجلدات لعل أبرزها على الإطلاق ثلاث موسوعات ألفها أو شارك في تأليفها وهي: موسوعة حصاد العمر في ستة مجلدات، موسوعة الشابي في 12 مجلدا ومعجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين في ستة مجلدات.

عندما كان الراحل في بغداد صادق عديد الشعراء أبرزهم بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وغيرهم فمن الطبيعي أن يكون كرّو شاعرا مثلهم فألف خمس مجموعات شعرية على غرار “كفاح وحب” التي تضمنت 15 قصيدة نثرية وهي مجموعة تدخل في صنف شعر النثر وفي مناخات التجديد الشعري الحديث والثورة على الشعر التقليدي القديم الذي كان سائدا في أربعينات وخمسينات القرن الماضي.

إن تكريم هذا المفكر الفذ واجب مستحق فهو المفكر الذي تكفل بإحداث الإضافة وبصمته لا يمكن تجاوزها إذ دونها تظل صورة الحداد منقوصة وصورة الشابي منقوصة وصورة الحبيب ثامر منقوصة فهو الذي جعلنا ندرك أهمية هؤلاء المفكرين المثقفين وهو الأصدق في دراسة آثارهم وفكرهم إنسانيا وأدبيا وثقافيا.

 

أبو القاسم محمد كرّو

الوصوف

You Might also Like

أترك تعليق

Your email address will not be published. Required fields are marked *