“أما بعد!” مؤلف يرصد ما يحدث في الكرم بعيون أبنائه

نظّمت جمعيّة مبدعون في الكرم ورشة كتابة للشباب منذ سنة 1820. تميز أربعة شابات وشبّان وهم على التوالي: خديجة كوكي وإيناس جفالي وحسام بن شعبان وحسام الرياحي بمواهبهم وتمكنوا من تأليف مجموعة قصصيّة بعنوان “أمَّا بعد !” تحت إشراف الروائي والمؤطّر أمين الحسيني وقد تمّ نشرها مع دار نقوش عربية للنشر وضمن الأنشطة الفنّية وبرنامج الإيقاظ الاجتماعي للجمعية.

ويتنزّل مشروع “ورشة الكتابة” الذي بعثته جمعيّة مبدعون أثناء فترة الحظر الصّحيّ الشّامل خلال الموجة الأولى لوباء كورونا المستجدّ، ضمن برنامج عمل فنّي متكامل عن بعد على غرار المسرح والرقص والصوت والإيقاع وأجناس فنيّة أخرى، وذلك حرصاً منها على الإحاطة بمنظوريها من شابات وشباب منطقة الكرم الغربي خصوصاً في تلك الفترة العصيبة، وقدّ تُوّجت مجهودات الورشة بكتاب جماعيّ يضمّ مجموعة قصصيّة لثلّة من المشاركات والمشاركين الذين خاضوا في مواضيع مختلفة.

إنّ المشترك بين جميع نصوص هذا الأثر هو محاولة كلّ من خديجة الكوكي، إيناس الجفالي، حسام بن شعبان وحسام الرّياحي إختراق البنى الثّقافيّة المغلقة موظّفين في ذلك كلّ ما إكتسبوا من أساليب قصصيّة، وسعوا لإستنطاق المسكوت عنه كالسلوكيات المحفوفة بالمخاطر والإغتصاب وصولا إلى إغتراب الإنسان المعاصر عن بيئته الإجتماعية.

نبذة عن الأقاصيص

تناولت خديجة الكوكي موضوع إغتراب الذّات المرهقة عن العالم الخارجي، وقد جسّدته في شخصية باثولوجية مصابة بما يُعرف باسم “الإكتئاب الباسم”، وقد حاولت -من خلال الشخصية المركّبة التّي إشتغلت عليها والتي قد تبدو مرحة ومليئة بالنشاط في مواقع ومحبطة ومهزومة في مواقع أخرى- زجّنا في تساؤل إشكالي مؤرق حول ماهية الوجود الإنساني برمته، عبر طرحها لثنائية الحقيقي/النسبي، المعنى/اللامعنى، الحياة/الموت.

فيما حاولت إيناس الجّفالي أن تبرز أنّ إرادة الإنسان قادرة على مواجهة الظروف المسلّطة على الفرد، وأنّه إن امتلك الإرادة ونأى بنفسه عن منطق الضحيّة والإنهزامية بإمكانه أن يكون سيّد حياته.

إشتغل حسام الدّين بن شعبان على هاجس المثقّف المعاصر والمتمثّل في قضيّة الاغتراب الدّاخلي/الخارجي، وقدّ نجح إلى حدّ ما في زجّنا في حالة قلق الشّخصيّة المحوريّة للنصّ والذي يتبيّن لنا في مرحلة متقدّمة أنّها تعود لدكتور نفسيّ.

وتناول النصّ الأخير لحسام الرّياحي ظاهرة إجتماعية منتشرة في الأوساط الشعبية، وتتمثّل في السلوكات المحفوفة بالمخاطر التي يُقدم على فعلها المراهقون، وقد وضّح بعض الأسباب الكامنة التي قدّ تتسبّب في مثل هذه المشكلات الإجتماعية.

وبتشجيع من دار نقوش عربية للنشر، عانق إصدار “أمّا بعد !” النور أخيراً، وسيكون متوفّراً في جميع فضاءات جمعية مبدعون، كما سيتمّ عرضه في هذه التظاهرة وفي لقاءات أخرى يقع تحديدها في الإبّان.

من هي جمعية مبدعون؟

جمعية مبدعون منظمة غير حكومية ذات تأثير إجتماعي تسعى إلى الإحاطة بالشباب ليصبحوا قادة الديمقراطيّة الناشئة في تونس وليشاركوا في إرسائها بطريقة إبداعيّة وسلميّة.

عُرف عن جمعية مبدعون خبرتها المحلية الميدانية ومرافقتها على مختلف الأصعدة للشباب القاطن بمنطقة الكرم الغربي، وهي من الأحياء الشعبية الموجودة في الضاحية الشمالية والموصومة بالعنف وبكونها تحتضن أفراداً ينتمون إلى تنظيم أنصار الشريعة.

كما تجدر الإشارة إلى كون جمعية مبدعون إستهلت نشاطاتها في منطقة الكرم الغربي بإنجاز دراسة علمية تحت عنوان “المراهقون في الكرم الغربي: سبع سنوات بعد ثورة 14 جانفي؟” قام بها أكاديميون مختصون في علم الإجتماع من جامعة تونس، وقد خلصت هذه الدراسة إلى تحديد الأسباب الكامنة وراء التطرّف العنيف، كما قدّمت أيضاً جملة من التوصيات العمليّة التي بإمكانها الحدّ من هذه الظواهر. ونظراً لقيمتها العلمية صارت من المراجع الأساسية على النطاقين الوطني والعالمي لتفسير وفهم الدوافع المتسببة في العنف بهذه المنطقة، وإستناداً إليها رصدت جمعية مبدعون جملة من المشاريع التي تهدف إلى الحدّ من هذه الظواهر وتقليص حدّة الوصم الإجتماعي الذي لحق بمنطقة الكرم الغربي جرّاء ما سبق توضيحه.

وقد تم تحديد لقاءات لتوقيع وتقديم هذا الكتاب حيث ستكون هناك حصة قراءات ونقاشات مع المؤلفات والمؤلفين يوم السبت 27 نوفمبر 2021 بالمقهى الثقافي “إيكار” ولقاء ثان يوم 3 ديسمبر القادم في سينفوغ الكرم.