الرئيسيةسياحة وتـــراث

“أوذنة” عبق الحضارة الرومانية في تونس

مدينة رومانية متكاملة، كنز قريب جدا منا ولكننا لا نعرفه، آثار ضاربة في عمق التاريخ لكنها منسية تبحث جاهدة عمّن ينفض عنها غبار النسيان. نحس ذلك من تشبثها بالحياة ووقوفها شامخة في وجه الحروب والطبيعة والتقلبات الجوية.. إنها مدينة “أوذنة” أو “أوتينا” كما كان يناديها الرومانيون وهي تقع على الطريق الرومانية التي تصل قرطاج بتبوربومايوس مرورا بمكسولا (رادس حاليا)، على بعد حوالي ثلاثين كيلومترا من الناحية الجنوبيّة الغربيّة لمدينة تونس وتمتد الآثار فيها إلى 100 هكتار وفيها نظمت وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية بالتعاون مع المعهد الوطني للتّراث زيارة ميدانية لفائدة الإعلاميين من مختلف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة والإلكترونية لموقع أوذنة الأثري-الخليديّة- تتخلّلها محاضرة تحت عنوان “موقع أوذنة : تاريخه، معالمه وآفاق تنميته” يقدّمها الدّكتور نزار بن سليمان المكلف بالبحوث في المعهد الوطني للتراث ومحافظ الموقع أوذنة الأثري، فضلا عن ورشة “للفن التشكيلي” تحت إشراف إتّحاد الفنّانين التشكيليين التونسيين وذلك يوم الجمعة 21 فيفري 2020 بهدف الترويج والتعريف بالموقع وأهميته وسبل الإستفادة منه ثقافيا وسياحيا.

الزيارة الميدانية كانت بحضور السيد مهدي النجّار مدير عام وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية الذي أكد أن هذه الزيارة هي تجسيم لبرنامج الوكالة وآستراتيجيتها التّرويجية والتّسويقية في تنشيط المعالم والمواقع والمتاحف لخلق حركيّة دائمة لتثمين التّراث والتّعريف به و لإبراز خصوصياته والمساهمة في مصالحة المواطن مع تاريخه وذاكرته الجماعية وإفساح المجال للمبادرات وللإستثمار في مجال التّراث ورفع مردودية القطاع في مجال التّشغيل وإحداث مواطن شغل ووضع التّكنولوجيا الحديثة في خدمة التّراث بتشجيع إستغلاله في مجال الصّناعات الإبداعية وتشجيع مختلف الشّرائح العمريّة على زيارة المواقع والمعالم والمتاحف كفضاءات عمومية للذّاكرة الوطنيّة.

وفي محاضرته قال الدكتور نزار بن سليمان أن تاريخ مدينة أوتينا يعود إلى ما قبل فترة الرومان إلا أن فترة إزدهارها وثراءها الحضاري والتاريخي والفكري والثقافي كان في العهد الروماني حيث تبدأ الفترة الرّومانية بعهد الإمبراطور “أغسطوس” إذ أنّ تأسيسها الفعلي بالإسم الذّي نعرفه أي أوتينا يرجع إلى هذا العهد. وقد حصلت منطقة أوذنة على رتبة مسـتوطنة رومانية من طرف الإمبراطور أغسطس وفيها أسكن قدماء الجنود المحالين على المعاش من الكتيبة للجيش الروماني…وتواترت على أوتينا الحضارات الوندالية، البيزنطية وصولا إلى الحضارة العربية الإسلامية وقد تحولت في هذا العصر إلى قرية متواضعة منسية..

كانت الدّيانة الوثنية هي السائدة في أوتينا حيث كان السكان يقيمون طقوسهم في معبد الكابيتول ثم أصبحت المسيحيّة مزدهرة نسبيّا ويرجح أن معبد الكابيتول قد تحول إلى أسقف في العهد المسيحي لأوتينا.

الحفريات

إنطلقت الحفريات الأولى في أواسط القرن التاسع عشر وبالتّحديد سنة 1845عن طريق “روسووذلك بهضبة الأكروبول أوالكابتول. ثمّ أجريت حفريات أخرى أدارها ڤوكلار الذّي أماط اللّثام عن بعض المنازل في أواخر القرن التّاسع عشر، وقد ساهم الجيش الفرنسي أيضا في الحفريات خلال النّصف الأوّل من القرن العشرين ومنذ تلك الفترة لم تقع أيّة حفريّة بالموقع إلاّ التي أنجزت في أواخر الثمانينات حيث تمّ إبراز المعالم المعروفة من قبل.

وقد مكّنت الحفريات التي بدأت منذ منتصف القرن التّاسع عشر من إكتشاف حوالي عشرين مسكنا رومانيا شيّدت وسط حيّ راق كما مكّنت من العثور على ما يناهز 67 قطعة من الفسيفساء أكثرها معروضة بمتحف باردو بقاعة أوتينة كما يوجد ف موقع أوذنة نسخ من هذه اللوحات الفسيفسائية.

وفي 24 ديسمبر 1992، إستهل مشروع ترميم وصيانة الموقع، وإنطلقت أشغال الحفر والتّـرميم يوم 8 فيفري 1993 وهي مستمرّة إلى حدّ الآن، وقد تمّ خلالها إبراز الواجهة الشّماليّة للقصر الدائري وإكتشاف جزء كبير من قاعة بها لوحة جميلة من الفسيفساء المصنوعـة من قطع الرّخام الكبيرة.

وكذلك تمّ الكشف عن كلّ واجهات الكابتول وعن المنطقة المسخّنة من الحمامات الكبرى، وقد مكّنت هذه الأشغال أيضا من ترميم جزء كبير من الطّوابق السّفليّة والعلويّة للكابتول، وتدعيم جدرانه وأقواسه التي كانت مهددّة بالإنهيار.

المسرح الدائري

ومن ضمن المعالم الأثرية داخل موقع “أوذنة” نجد المسرح الدائري وهو من أكبر المسارح الدّائريّة التي تمّ بناؤها بشمال إفريقيا في العهد الرّوماني ويتسع إلى ما يناهز السّبعة عشر ألف متفرج ويرجع بناؤه إلى بداية القرن الثاني ميلادي ويمكن إعتباره رابع مسرح دائري إتساعا بشمال إفريقيا بعد مسارح قرطاج والجمّ ولبدة بليبيا.

يقع هذا المعلم فوق هضبة أين تمّ بناء حلبته وتذكّرنا طريقة بنائه بالمسارح الدّائريّة بسانت غول وإيطاليكا بمقاطعة هيسبانيا. فالهيكل الحامل للمدارج يتّكئ من الدّاخل على حزام المنطقة المحفورة. يحتوي جزؤه العلوي على 12 جناحا أمّا واجهته فهي مبنية بالحجارة الضّخمة وبه 68 قوسا.

إنّ الحفريات الأخيرة مكّنت من تحديد تاريخ بنائها إذ تمّ العثورعلى جزء من نقيشة لاتينية تفيد أنّ هذا المعلم تمّ تشييده على الأقلّ في عهد الإمبراطور هادريانوس ولكن بصفة غير قطعية فلقد تمّ تشييد هذا المعلم على أقصى تقدير في القرن الثاني ميلادي، أي في الفترة التي بلغت فيها المدينة أوج ازدهارها في كلّ المجالات وبانت عليها علامات الرخاء والثراء.

الكابيتول

كذلك نجد معلم الكابيتول وهويعتبر أكبر معبد بشمال إفريقيا الرومانية بعد كابيتول قرطاج ويحتوي على ثلاثة معابد كانت تكوّن في العهد الرّوماني الثالوث الكابتولي المقدس وهي ترمز إلى إلاه الآلهة الرّومانية جوبيتار وزوجته جينون وإبنته مينارفة. يتكوّن هذا المعبد الضخم في طابقه العلوي، الذي دمرّ بالكامل، من القاعة التي كان يوجد بها تمثال الآلهة والقاعة المقدّسة المخصّصة للعبادة.

يحتوي الكابيتول على ثلاثة طوابق سفليّة مازالت على حالة معماريّة شبه جيّدة، وقد شيّدت فوق هضبة صغيرة وهي تعتبر صفة إستثنائية لاتوجد في المعابد الأخرى..وقد تمّ إخلاؤه والعدول عن إستعماله كمعبد في نهاية القرن الخامس ميلادي أو بداية القرن السّادس. كما عثر داخل إحدى قاعات الطّابق السّفلي الأوّل على بقايا معصرة زيت تمّ تركيزها خلال هذه الفترة المتأخّرة من تاريخ هذا المعلم كما تشير دلائل أخرى أنه قد تم فيما بعد إستعماله كأسقف في العصر المسيحي لأوتينا.

وتم في السنوات الأخيرة إعادة بناء سقف المعبد كاملا بإستعمال مواد خام شبيهة بتلك التي إستُعملت سابقا إضافة إلى ترميم أسقفه وأعمدته بشكل يوحي للمشاهد أنه لم يقع تدخل من الإنسان الحالي عليها ولم تعبث بها الأيادي أو الطبيعة. بالإضافة إلى المحافظة على المنظر الطبيعي الخلاب الذي يميز الموقع من خلال إعداد برنامج التهيئة والعناية وهو حاليا في طور الإنجاز، تقدم إنجاز هياكل الإستقبال التي توفر كل الخدمات اللازمة لإستقبال الضيوف في أحسن الظروف، ربط الموقع بالكامل بالشبكة الكهربائية وبالماء الصالح للشراب، تحسين وتأمين الموقع وتحسين المعالم الإرشادية واللوحات التفسيرية، تحسين الطرق المؤدية للموقع وتركيز إنارة عمومية..

الحمامات العمومية الكبرى

إضافة إلى الحمامات العمومية الكبرى وهي من أكبر المعالم التي وقعت فيها حفريات تونسية وترميم جزئي، ثاني أكبر الحمامات في شمال إفريقيا بعد حمام أنطونيوس في قرطاج يمتد على مساحة 12 ألف متر مربع يمتاز بوجود طابقين، الطابق الأرضي هو طابق الخدمات خاصة تخزين الأخشاب لإستعمالها فيما بعد لتسخين المياه وطابق علوي مفتوح لعموم الناس حيث يرتاده سكان المدينة ليس للنظافة فقط إنما هو عبارة عن مركب متكامل فهو مكان للإجتماع وللراحة والإستجمام ولممارسة الرياضة أيضا حيث توجد فيه فضاءات مخصصة للرياضة وأماكن مخصصة للقراءة ومتاجر للأكل ولبيع البضائع إذن نلاحظ أنه عالم متكامل يمكن قضاء يوم كامل في الحمام.

ماذا بعد؟

رغم كل ما تحقق في موقع أوذنة من ترميمات وتحسينات على مدار ما يزيد عن عشرين سنة فإن هذا الموقع الفريد من نوعه في تونس والعالم يحتاج إلى المزيد من العناية والإهتمام وخصوصا إيجاد الموارد اللازمة لمواصلة ترميمه وإستكشافه خصوصا وأن الدكتور نزار بن سليمان قد أكد في محاضرته أن 10% فقط قد تم إكتشافه في هذا الموقع وأن وزارة الثقافة بميزانيتها الضعيفة لا تستطيع تحمل أعباء الحفريات والترميم وحدها لذلك وجب تظافر جهود كل الوزارات المعنية وذلك نظرا لعديد العوامل التي تجعل المسؤولين يفكرون جديا في الإستفادة القصوى من هذا الموقع وهي القرب من العاصمة وسهولة الوصول إليه، المساحة الهامة التي تفوق في مساحتها معلم “دقة” و”مكثر” إضافة إلى الطبيعة الخلابة المحيطة بالموقع والتي تتجاوز مساحتها 4000 هكتار وهو ما يجعله معلما يضم التاريخ والطبيعة معا ما يؤهله لجعله موقعا هاما في السياحة الثقافية. إضافة إلى مواصلة تحسين الطرق المؤدية للموقع وربطه بشبكات النقل من ميترو وقطار وحافلات كذلك إستكمال الحفريات والإكتشافات والتنقيب على الجزء السفلي خصوصا الذي لم يُكتشف بعد وذلك عن طريق الدعم المادي واللوجستي للموقع، وعلى المدى المتوسط أعلن الدكتور نزار بن سليمان عن نيته وفريق عمله إعداد ملف لإدراج الموقع أوذنة ضمن التراث المادي لليونسكو.

صور من أوذنة
صورة من أسقف معبد الكابيتول
صور من معلم أوذنة


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق