أيام قرطاج السينمائية..نظرة على الوثائقي

راضية عوني -الأيقونة الثقافية

لطالما مثّلت السينما الوثائقية العين الراصدة لمختلف الظواهر الاجتماعية والسياسية في مجتمع ما منها نستقي الحقيقة، وإن تعددت أوجهها، ومنها نرى العالم بطريقة مختلفة وسواء اتفقنا أو اختلفنا عن رؤية المخرج إلا أننا أمام أثر فني هو مهد السينما ألم يقدم الأخوين لوميار أفلامهما في صيغة الوثائقي ثم ألم يقدم دزيغا فارتوف الروسي “الرجل الذي يحمل الكاميرا” كتعبير عن الحياة اليومية في روسيا ليصل المعنى دون كلام حينها مازالت السينما صامتة بكل ضجيجها..

 الضجيج الذي لم يكف إلى يوم الناس هذا وفي برمجة الدورة 32 من أيام قرطاج السينمائية مجموعة من العروض الوثائقية قد تسترعي انتباه المتابعين لما تحمله من قضايا الأوطان والإنسان فكان ضجيج المخرجين بإمضاء ماجد الرميحي من قطر الذي قدم “ثم  يحرقون البحر” وشيماء التميمي من اليمن التي قدمت فيلم “لا ترتاح كثيرا” وبية مظفر من تونس وفيلمها الذي يحمل عنوان “يا عم الشفور” و”صمت مهشم” لأمانو يالبو من الطوغو وأخيرا فيلم “رعاة” لتيبوهو ادكينس المولود في الولايات المتحدة الأمريكية لكن نشأته كانت في جنوب افريقيا.

الخيط الذي يخترق كل هذه الأفلام الانسان في مختلف حالاته ففي “رعاة” نرى المساجين الذين عقوبتهم رعاية الأغنام والأبقار وفي أزيائهم الحمراء يتحدثون كل عن عقوبته وعن حياته المرتبطة بتربية الماشية في ليسوتو من جنوب افريقيا.

 في “ثم يحرقون البحر” كانت الصورة مشحونة بشاعرية قصوى عن فتى مغرم بأمه يراها تفقد يوما عن آخر الذاكرة بفعل مرض الزهايمر تركيزه في الصورة انصب على اليدين- يداه ويداها- أما الوجوه فقد جاءت ضبابية ومشوشة كما تراها هي مع مرافقة لصوت ورائي مصاحب اتخذ شكل قصيدة ليكون كل العمل اعتراف جميل وصادق بالحب..

شيماء التميمي بدورها في “لا ترتاح كثيرا” تقدم رسالة إلى جدها عن ماضيه وما ترك من أثر بصوته وبعض الصور الفوتوغرافية، عن أشيائه البسيطة التي صارت بطعم الذكرى مثل حقيبته.. ثم من خلاله عن شتات اليمن، معتمدة على صور ارشيفية ورسوم متحركة كي تؤسس صورة بحجم وطن في الفيلم أيضا حساسية مفرطة وصوت ورائي فيه الكثير من الحنين للماضي..

نتوغل أكثر فأكثر في مجموعة الأفلام هذه كي نكتشف واقعا عنيفا جدا في “صمت مهشم” حيث يكشف المخرج أمانو يالابو من الطوغو معاناة المرأة هناك بداية من زوجته التي تعرضت للاغتصاب لتتحول إلى مدافعة شرسة عن حقوق المرأة، تنال جوائز عدة بفضل ما تقدمه من مساعدة للنسوة اللاتي  تعرضن لتلك المهانة، زوجة المخرج ليست وحدها في تلك المعاناة وبعد أن حدثتنا عن أحدهم يتحرش بطفلة عمرها لم يتجاوز الخمسة أشهر نراها في صلب عملها تتحاور وتجد الحلول لفتاتين تعرضتا للاغتصاب واحدة منهن كان الجاني أبوها..

أخيرا بية مظفر تحملنا في رحلة تمتزج فيها الأصوات والصور، الماضي بالحاضر كي تؤسس ما يشبه رحلة حياة صحيح انه اختلطت علينا بعض الصور مع مقاطع الفيديو مع تدخلات صوت معمر القذافي وكلمته الشهيرة “من أنتم” إلا أن الفيلم يمثل بعضا من المشترك الذي يجمعنا..فقط لو كان هناك رباط واضح بين كل ما شاهدنا.

المنافسة على أشدها في قسم الأفلام الوثائقية القصيرة ..لدى لجنة اختيارالفائز مهمة شاقة!