الرئيسية

أُمّ..

حنين- الأيقونة 
تستاءُ حين تنظر في المرآة، فهي لا ترى إلا ما لا تُحب أن تراه : وجها كئيبا يتجعد في شحوب إذا ما حاولت الإبتسام، عيونا جاهزة للبكاء وفي إستعداد بدائي لِقذف الدموع مع كل التفاتة للخلف و إستعادة ذكرى ما لِيومٍ ما في لحظةٍ ما، شعرا باهتا في فوضى كارثية لا تحتمل الترتيب، كان بالأمس ساحةَ شِعرٍ غزلي و صورة خلابة تُبدع القرائح في وصفها..
هي تكره المرآة التي تبادلها نفس الشعور صامتةً صابرةً، تذهب و تجيء في رقصةٍ مُختلّة الإيقاع ،، تنحني لأخذ هذا، تصعد لحمل ذاك، تعود لوضع هذه، تنزل لمسح تلك .. معزوفةٌ عتيقة الطراز من تأليف الروتين و إخراج الملل و إنجاز ربة منزل منتهية الصلاحية. فهنا لاشيء ينتهي أبدا، فما تظنه إنتهى تجد أنه يبدأ من جديد في حلقةٍ لولبية أبدية.. أحيانا تحدث الأمور بنفس الترتيب و نفس التوقيت و بنفس الطاقة، ربما يتغير الثوب الذي ترتديه أو مستوى التعب الذي تشعر به.. هي وريثة الإخلاص  والتفاني في خدمة أطفالها، تريدهم صالحين، لا تنتظر منهم إلا ما يسعدهم ويجعل حياتهم أفضل.. دائمة التفكير في المستقبل، بقدر ما تغدق عليهم الحب و تسقيهم الدلال كأسا وراء كأس فهي تُجندهم لِتحمل مسؤولية أنفسهم وتُربيهم على إتقان بعض الأعمال الصغيرة،،
غريبةٌ قدرتها على تحمل صراخهم وبكائهم و عراكهم و شكواهم وعبثهم بأشياء البيت وتذمرهم وتساؤلهم ، فلا يوم في حياتهم سيعود و لن يظلوا صغارا للأبد، وهم لا يزعجونها و لا يقصدون أذية أحد، هم فقط يلعبون ، يتمتعون بهذه السن التي هي عنوان المرح و الضحك ، فلهُم ما يشاؤون، هي هنا للحرص على استمتاعهم و سلامتهم ، هي شاهِدٌ مبتسم تأسره أفعالهم، هي تستمتع أكثر منهم، رؤيتها لروعة الخلق في ابتساماتهم تجعلها تتمسك بالحياة و تجتهد كي لا يطال الزمن الراكض صحتها و يملأ جسدها عِللا .. هي ليست مثالية ولا ملاكا ، فهي تغضب أيضا، و تصرخ في وجوههم أحيانا و تعاقبهم ، بل و تعالج بعض طيشهم بالضرب و الحرمان من اللعب الذي هو واقعهم .. هي بشرٌ تمر كثيرا بنوبات تعبٍ و ينتصر على صبرها شيءٌ من العصبية و الغضب .. تنوء بِحملها فتفقدُ هدوءها و تنفجر إعصارا في وجوههم الصغيرة، فيهلعون و ينزوون أمام ثورتها في صمتٍ دامعٍ ، لِيضِجَّ قلبها الحنون ألما لرؤية دموعهم، فتعودهم بكل العناق و تعتذر بكل الكلمات و القبلات .. هي دُعاءٌ لا ينتهي بأن يرعاهم القدر و يشملهم بعطفه، بأن يقضي لهم من شؤون حيواتهم ما يتمنون و ينفخ في صور أحلامهم اللذيذة فتتحقق.. هي مُفردات كثيرة لكن الكلمة الأشرف و الأكثر عُمقا و قداسةً ، الكلمة التي ربما تصفها دون سرد الروايات و إخراج الأفلام و ترسيخ الأعياد هي : أم .

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق