البشير المجذوب “الماضي هو أنت..وإنكار الذات خيانة”

“إنما المرء حديث بعده   فكن حديثا حسنا لمن وعى” وحديثنا اليوم عن الأديب المنسي
البشير المجذوب حيث نظم منتدى الفكر التنويري التونسي أمس الثلاثاء 15 ديسمبر، في
رحاب مدينة الثقافة، ندوة فكرية تكريمية للأستاذ الراحل، ذلك الأديب الذي عاش ومات
في قوقعته الفكرية، خجولا مترفعا عن الظهور والبروز فكان كالسلسبيل ينساب رفيقا رقيقا
يؤثر فيك أيما تأثير دون أن تنزعج أو تشعر بأن شخصيتك قد سُلبت منك.

نخبة من كبار المثقفين ممن عاصروا المجدوب أو تتلمذوا على يده حضروا الندوة
وحاضروا فيها، جميعهم تحدثوا عن المجدوب الإنسان والأكاديمي فسرد الأستاذ حسن نصر
للحاضرين -وهم كثر رغم الظروف الحالية- سرد بدايات المجدوب التي كانت مع
الإستقلال سنة 1955 حيث أسس محمد المزالي مجلة “الفكر” أصدر فيها أبو القاسم محمد
كرّو “كتاب البعث” وإنبرى رجال الفكر والثقافة في تونس يكتبون وينشرون في هذه
السلسلة من بينهم أديبنا المكرّم فكتب مجموعة من المقالات على غرار كلمات منثورة،
خواطر وتأملات وآراء في الأدب والفن.

يقول حسن نصر “وأنا أتصفح مجلة الفكر وقفت على هذا الموضوع بعنوان “أنا والماضي”
يقول البشير المجدوب “الماضي هو أنت.. وإنكار الذات خيانة” ويواصل “يتمنى بعضنا
أحيانا لو يعرى من ماضيه، لو ينعتق من سلطانه الجائر وجاذبيته النحس فإذا هذا الماضي
كجلد الحية البالي، شيء غريب عنه تافه سخيف..” إلى أن يقول لقد انسخ ذلك الروح
الطاغي ذلك الأب الرب الذي إغتصب نفسك تسعة عشر عاما وكاد يفترسها إفتراسا.يملي
عليك ينفث فيك تعاليمه ونواهيه المقدسة..” هل أفهم من هذا أن البشير المجدوب عاش
طفولة مقهورة، لذلك تراه منطويا على نفسه، يعيش هذه الوحدة والإنعزال؟. هذه الشذرات
التي كان ينشرها المجدوب في مجلة الفكر تحت عنوان “كلمات منثورة” على مدة أعوام،
جمعها بعد ذلك في كتاب أصدره سنة 1975 تحت عنوان “كلمات”

نعود إلى كتابه الآخر “بذور” نشره في مؤسسة عبد الكريم بن عبد الله سنة 1968 وتحصّل
به على جائزة الدولة التشجيعية من وزارة الثقافة وقد قمسه إلى قسمين قسم أول تحت عنوان
“خواطر وتأملات” والقسم الثاني تحت عنوان “أراء في الأدب والفن”. تطرق الكاتب إلى
عديد المواضيع النفسية والإجتماعية التي تنخر كيان حياتنا، وحمّل المسؤولية على عاتق
الأولياء في البيت وكذلك على عاتق المناهج التعليمية في المدرسة، ويتساءل ماذا عسانا
قدمنا لشبابنا من غذاء فكري يجعلهم أبناء عصرهم ونتاج أرضهم وتربتهم التي نشأوا
وترعرعوا فيها فينعكس ذلك على عقول التلاميذ ويتغلغل في أعصابهم وضمائرهم لقاحا
خصبا تظهر آثاره في التفكير والذوق والسلوك عندهم.

لينتقل بعده حسن بن نصر للحديث عن معنى الفكرة لدى البشير المجدوب وهي كلمة جبارة
متحفزة هي حالة من التوتر القصوى التي يكون عليها الإنسان عند الإستغراق في التفكير
والتأمل. الفكرة عندما تنطلق وتخترق الآفاق والأعماق، تحدد الهدف لتصل إلى النور
والحياة.
هذا هو البشير المجدوب كاتب تونسي معاصر ولد بتونس سنة 1923 وتوفي سنة 1994.
عاش خافت الصوت. أن تكون كاتبا هو أن تكون عاشقا وتكون حالما وتعيش في سبيل فنك
إلى آخر رمق في حياتك.

الدكتور المبروك المناعي مدير معرض تونس الدولي للكتاب لسنة 2021 أكد أن هذه
الندوة لها هدفان أساسيان هدف تكريمي وهدف أكاديمي وهما متداخلان متكاملان بإعتبار
أن الراحل كان أستاذ المناعي وقد درّسه مادة النثر بدار المعلمين العليا …وسرد المناعي
بعضا من ذكرياته مع المجدوب بقوله للمناعي” كثيرا ما كان يقول لي، معلق على بعض
تدخلاتي في العروض أو في شروح النصوص “أنت متفلسف يا فتى!..” كما أذكر خصاله
أستاذا وأبرزها التواضع للطلاب والإخلاص للواجب الجامعي.
ويواصل المناعي عن تفسير مبرره الأكاديمي لإسهامه في هذه الندوة الذي يتمثل في رغبته
في تقدم فكرة عن نشاط الأستاذ البشير المجدوب في مجال البحث في الأدب الثري وذلك
من خلال أبرز مؤلفاته في هذا الباب وهما: كتاب “الظرف والظرفاء بالحجاز في العصر
الأموي” الصادر عن دار التركي للنشر بتونس في 1988″ وكتاب “الظرف والظرفاء
بالعراق في العصر العباسي” الصادر عن مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله للنشر بتونس
في 1992.
إعتنى الباحث في كتابه الأول بـ”الظرف” ودلالة لفظ “الظريف” فتوقف – وأوقف قارئه –
على عسره وتابيه على الحصر الدقيق فقال “الظرف صياغة فنية للحياة والظريفهو ذلك
الذكي الفصيح الخفيف الروح الرقيق الشعور، يسعى جهده ليصوغ حياته ذوقا وتفكيرا
وبيانا وسلوك”.

ثم عاد المجدوب في مقدمة الكتاب الثاني إلى المفهوم مجددا، عا إليه م موقع المتشبع
بدراسة الظاهرة المتتبع لمراحل تطورها في التاريخ الإجتماعي والثقافي، وفي الأدب
العربي شعره ونثره – في ما بين العصرين الأموي والعباسي- فأضهر في إعادة تعريفه له
نضجا فكرا ملحوظا، وتطور فكره وأسلوبه في تناوله إياه وتعمقه.
وبعد إشباع النظر في مفهوم الظرف وتطور دلالاته في الثقافة والأدب العربيين خلال
القرون الخمسة الأولى للهجرة تقريبا، تولى الباحث تأصيل الظاهرة ودراسة أطرها
وأعوانها إنطلاقا من نشأتها في حواضر الحجاز في العصر الأموي، ثم إتساعها بعد ذلك
إلى حواضر الشام والعراق. وقد كشف إرتباطها بالسلوك الحضري والتفتح المجتمعي
والرخاء الإقتصادي والإزدهار الفكري والفني في البيئة الحجازية. وتبين من الدراسة الدور
الأساسي للمرأة في نشوء الظرف وإنتشاره وتشعب مظاهره وإكتشف ريادتها في نشاة
ظاهرة ظاهرة المجالس الأدبية وتطورها في المجتمع العربي.

أما في الكتاب الثاني “الظرف بالعراق في العصر العباسي” فقد تتبع الباحث مظاهر تطور
الظاهرة وتعقدها وإتساعها وتشعبها بحكم إختلاط العرب بالعجم وبسائر الأعراق الداخلة
في الإسلام أو الخاضعة لنفوذ الدولة الإسلامية الكبرى. ومن أهم ما أفضت إليه هذه
الدراسة وعي المجتمع العباسي للظاهرة وتحولها فيه إلى ثقافة تلبي حاجة إجتماعية فعلية
ظاهرة. فالظرف قد أصبح صناعة تتطلب ، فضلا عن الطبع والموهبة تعلما وتكوينا وحذقا
ومهارة وتحول إلى فن نفيس وبابا من أبواب الإحتراف وسبيلا من سبل الحظوة والوجاهة

تطرق الأستاذ مختار العبيدي في مداخلته إلى كتاب المجدوب “كلمات” للحديث عنه
بإستفاضة وتفسيره ونقده فقال عنه “كلمات” البشير المجدوب ذات معان دقيقة تدل عليها
سياقاتها المختلفة بل قل هي عند البعض رسوم ولوحات تشد غليها الأنظار وتبعث على
التفكير وقد عرف البشير المجدوب كلماته في آخر كتابه يقول “كل كلماتي نبضات مخنوقة،
يوميات مختزلة حتى لكأنها أقراص حياة” لا وجود لكلمات مظبوطة ولا لشخصيات معلومة
وكأن نصوص المؤلف خارجة عن الزمان والمكان كالحكمة.
هي كلمات مقتضبة جادت بها قريحة المؤلف فجمعها دون ترتيب ولا تبويب، قيمتها أنها
تقرأ بسهولة ولا تدث في النفس مللا لأنها ترد في شكل عبر ومواعظ في لغة ميسرة لا
جنوح فيها إلى التعقيد ولا إلى الغريب.

ومن جهة المضمون، في الكتاب تمجيد كثير للمرأة لا بل تغزل بها وهي المرأة المثال،
المراة ذات الحسب والنسب والجمال الفتان. وهو يرى أن المراة رغم تكتمها وتسترها تحن
إلى الرجل لا بل إلى وصاله ولقد بدا المجدوب هنا عارفا بنفسية المراة عموما ونفسية
المراة الجميلة المتأنقة تخصيصا، وهو لا يرى في رغبتها في الوصال ما يخدش الأخلاق
او يحط من قيمة النساء. لكن ما لا يستساغ في حديث المجدوب عن المرأة غتخاذها مشبها
به في مواضيع لا يحسن ان تكون المرأة فيها عنصرا من عناصر التشبيه كان يقول
“الموسيقى إلى الشعر كالجنس إلى المرأة” ففي هذا تجن على المرأة وتشييء لها.
ومن المواضيع التي تطرق لها الباحث في “كلماته” موضوع الفن، والفن عنده كل أصناف
الفرجة من مسرح ورقص وموسيقى ورسم..”فالفن هو ملح الحياة وهو عصمة الفكر
وهوداء يتداوى منه به والمؤلف يدعو غلى جميع أنواع الفنون في مجتمعاتنا العربية لأن
الفن يهذب العقول ويكبح الميول ويضفي على الإنسان إنسانيته حتى لا ينساق إلى غرائزه
ولذاته.

ويزخر الكتاب بمثل هذه المعاني الآسرة بأسلوب مدرس آل على نفسه أن يقتنع بما يقول
ويقنع غيره بما صح في نظره أنه حق ومن ثم كان التكرار الكثير في “كلمات” وإنعدمت
الصلة بين القول وسادت النزعة إلى التعميم، ولا ضير على المؤلف في ذلك مادام قد شعر
بأنه “يحلم” والحلم في نظره علامة من علامات الوجود وإثبات الكيان، فقد قال المؤلف عن
نفسه “أنا أحلم إذن أنا موجود”.