الطفولة في تونس بين أنياب العنف المدرسي والأسري

نظمت مؤخرا جمعية “الشارع فن” ندوة لإطلاق حملة حول “العنف المسلط على الأطفال وتقديم برنامج “تفكيك العنف عن طريق الفن” قامت بتأطيره مجموعة من الإخصائيين النفسيين والتقرير الختامي له الذي أعدته الإخصائية في علم النفس السريري سهى اليعقوبي. وقد أثث الندوة التي إنتظمت بأحد نزل العاصمة كل من مهيار حمادي المندوب العام لحماية الطفل، الإخصائية في علم النفس السريري آمنة قلاعي، الإخصائية في علم النفس السريري سهى اليعقوبي، الأستاذة و دكتورة نفسية للأطفال زينب عباس، رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل الدكتور معز شريف والمختصة في الطب النفسي للأطفال أحلام بالحاج.

تولت مجموعة من الإخصائيين من مختلف التخصصات بمعية أطباء النفس المختصين في علاج الأطفال، تسيير لقاءات وورشات تعبير بواسطة الفن وتنظيم حلقات نقاش مع الأطفال والأولياء والمعلمين والمعلمات في المدارس أين تم تنفيذ  مبادرة “قسمي أحلى” (وهي مباردة قامت بها جمعية الشارع فن لتوفير فضاءات مخصصة لإبداعات الأطفال داخل المدارس). ويتمثل الهدف من وراء مرحلتي الملاحظة والمرافقة في فهم آليات العنف وتقديم طرق لتفكيكه من خلال الفن والحوار بين الأفراد في الوسط المدرسي وداخل النواة الأسرية من أجل السماح للطفل بتحقيق إمكانياته.

وفي مستهل الندوة عرّف المختصون برنامج “تفكيك العنف عن طريق الفن، مقاربة علم النفس” أنه برنامج إمتد من 2017 إلى 2020 وفيه تحليل اللقاءات والتبادلات التي أجريت خلال هذه الفترة مع الأطفال، الأولياء ومعلمي المدارس الإبتدائية في كل من باب سويقة ونهج المر بمدينة تونس.

بداية، أجريت مرحلة تصميم المشروع وتحديد الجهات الفاعلة وأدوات العمل في عام 2017 تلتها مرحلة المراقبة ومرحلة التنفيذ التي إستمرت إلى غاية شهر نوفمبر 2020. أتاحت هذه المراحل الوصول إلى تحليل النتائج الكمية والنوعية والقيام بالدعوة لتهيئة بيئة مدرسية أفضل تسلط الضوء على دور الأنشطة الفنية في ضمان السلامة النفسية للأطفال.

فيما يتعلق بالأطفال

وقد أدت هذه الورشات واللقاءات والنقاشات إلى مجموعة من الإستنتاجات ففيما يتعلق بالأطفال يعد “العنف التعبيري” أكثر أنواع العنف إنتشارا وهو العنف الذي ينشأ عن فقدان السيطرة على النفس ويسعى الطفل من خلال سلوكه العنيف إلى الإنتقام كرد فعل على الإحباط الناتج عن الإعتداء عليه وبذلك يريد هؤلاء الأطفال تجنب الوقوع في ظروف مشابهة لتلك التي عاشوها. لقد إعتاد بعض الأطفال على العنف اللفظي لدرجة أنهم لم يعودوا يعتبرونه عنفا.

ومن خلال هذا المشروع وجد المختصون النفسانيون أن ورشات العمل التي أقيمت مع الأطفال مثلت فضاءا جديدا من الحرية وعلى حد تعبير الأطفال كانت اللحظات التي قضوها خلال الورشات “فريدة من نوعها” . عمليا يوجد مزايا جوهرية لأنشطة الوساطة الفنية كالمتعة الجمالية والخصائص الترفيهية والمعرفية والجانب الإجتماعي والمرح. كانت ورشات العمل بالنسبة للأطفال مكانا للتعرف على الذاات والآخر ومكانا للإبداع.

تحسين المهارات العاطفية والإجتماعية للأطفال

من جلسة إلى أخرى – خلال الورشات- ومن خلال دعمهم في إكتشافاتهم وإهتماماتهم، تمكن الأطفال من التفاعل الإيجابي مع أقرانهم وإندماجهم الإجتماعي وذلك من خلال التشارك واللعب وتبادل المعرفة كما تمكن التلاميذ من إعداد إطار عمل وفهم القواعد الأساسية التي يجب إحترامها خلال جميع ورشات العمل وقد قام الأطفال تدريجيا بتحسين قدراتهم على الإنتماء إلى المجموعة وأصبحوا أكثر تسامحا وتعاطفا وإحتراما لبعضهم البعض.

التطور الفكري والتخيلي لدى الأطفال

سمحت ورشات العمل للأطفال بالتعبير عن كل تخيلاتهم وتطوير مهاراتهم التخييلية من خلال الأنشطة المسرحية وأنشطة الرسم الحر كما أصبح هؤلاء الأطفال الآن قادرين على قبول عيوبهم وأخطائهم وتطوير فكرهم النقدي والتفكير في تصرفاتهم السيئة بالإضافة إلى ذلك حسن الأطفال قدرتهم على الحفاظ على علاقات صحية قائمة على الحوار.

كما ركزت الأنشطة المشتركة على تحسين المهارات السلوكية فالأطفال موضوع البحث الآن، أقل إندفاعا وعدوانية بشكل طفيف وقد غيرت الورشات نظرتهم لعديد الأمور المهمة مثل الإلتزام والشعور بالإنتماء والمدرسة.

“العنف المشروع” الذي يمارسه الأولياء على أطفالهم

يعد “العنف المشروع” أكثر أنواع العنف شيوعا بين الأولياء والذي يبرر إستخدام العنف في مواقف معينة حيث يكون ذلك ضروريا من وجهة نظرهم أو لتحقيق أعراض تعليمية. وخلال مشروع “تفكيك العنف عن طريق الفن” إكتسب الأولياء مواقف جديدة بفضل عملية تبادل الخبرات وقد تمكنوا من مسامحة أطفالهم عن الفشل وحاولوا تعزيز الجهود التي يبذلها مع مراعاة خصوصياته.

عنف المعلمين والمعلمات تجاة براءة الطفولة

لم يغفل المشروع أيضا عن عنف المعلمين والمعلمات تلك المعضلة التي عان منها غالبية الشعب الونسي في طفولته منذ الإستقلال وحتى الآن! والذي لا يخفى عن أحد أنه عنف غير مبرر يبطن شعورا بالقهر والهزيمة يفرغه المربي في الشخص الأضعف والأقل حجما منه وهو الطفل فكأنه بذلك يشعر بالقوة بدل الإهانة التي ينالها خارج أسوار المدرسة. الإستقواء عند المعلمين والمعلمات هو أول وأهم سبب في إنتشار الإنقطاع المدرسي المبكر حيث وجب على الدولة القيام بالفحص النفسي أولا قبل توظيف شخص لا يملك بيداغوجيا التعليم وليس له أدنى فكرة عن التعامل مع الطفل سوى بـ “العصا” وبالإهانة المتكررة له وهي في الحقيقة جريمة يعاقب عليها القانون التونسي وهو ليومنا هذا يظل حبيس الأوراق ولا يطبق على أرض الواقع وتترك الأجيال الجديدة في نفس معاناتنا نحن..دون أدنى شعور بالمسؤولية من قبل أشباه المعلمين وأساتذة التعليم الإعدادي والثانوي وكيف يشعرون بتأنيب ضمير وهم أصلا مرضى نفسيين وجبت معالجتهم قبل إقحامهم في التعليم المجال الذي لا يمكن أن يكون مجالهم؟

خلال الورشات بدأ المعلمون والمعلمات في الإنصات إلى الغضب الكامن داخلهم بمعية فريق الإخصائيين النفسيين لتحرير أنفسهم من الأحكام الخارجية تأثيرات البيئة المحيطة بهم والتعبير عن إحتياجاتهم علّنا نوجد يوما ما جيلا من المعلمين والمعلمات يقدس مهنة المعلم النبيلة.