أدب وإصداراتالرئيسية

العبوديّة والعنصريّة.. عن “تاريخ الوجع” نتحدث

افتتاح ملتقى تونس للرواية العربية

راضية عوني – الأيقونة

في إحدى تصريحاته يقول الكاتب والسيناريست الأمريكي بول أوستر “إن تاريخ أمريكا قائم على جريمتين: عبودية السود وإبادة الهنود وإن لم نواجه أنفسنا يوما ما لن نستطيع أن نتقدّم”

هل يمكن أن يختزل هذا القول افتتاح “ملتقى تونس للرواية العربية” في دورته الثانية الذي أقيم اليوم الخميس 7 مارس 2019 بمدينة الثقافة، ويهتم بـ”قضايا البشرة السوداء –تسريد العبودية وتسريد العنصرية ومقاربات التحرر-

الحقيقة وبعد أن واكبنا هذا الافتتاح وبعد أن استمعنا خاصة إلى الكاتب شكري مبخوت المسألة أعقد مما نتخيّل فالأمر يخص عديد الشعوب والحضارات والجدال إنساني بالأساس، هنا يكمن التعقيد والعمق والتشعّب.

تساؤلات استهل بها مدير بيت الرواية كمال الرياحي هذا الافتتاح من بينها نذكر هل انتهى فعلا الرقّ؟ عن أية حرية نتحدث؟  هل انتهت العبودية؟ ربما في شكلها الكلاسيكي لتعود وتتسرب في أشكال أخرى ويواصل الرياحي بأن يذهب إلى علاقة الانسان المؤاجر بأسياده. وإلى رفض إنهيار القيمة، لذا وجدت الرواية كجنس أدبي يعرّي الحقائق ويحكي عن تاريخ الاستعباد وتسريد العبودية وبالتالي تسريد الحرية في رواية ما بعد الحداثة.

ثم يتطرق كمال الرياحي إلى قضايا الأقليّات التي لا تنفصل عن التيمة الأولى بل تكملها وعلى رأس كل القضايا “فلسطين” في ظل الحراك الشعبي الذي نشهده اليوم في الأراضي المحتلة لذا كان ضيف الشرف في الدورة الثانية من ملتقى تونس للرواية العربية الكاتب المهموم بقضية فلسطين اللبناني إلياس خوري.

الهنة الوحيدة في افتتاح الملتقى كانت الفقرة الموسيقية التي خصصت لموسيقى الجاز من غناء وعزف مجموعة متكونة من ثلاثة شبان تونسيين نسلاتينوس”  ربما كان الأجدى أن يكون العازفون من بلدان إفريقية ولنا في تونس جالية محترمة من الطلبة ولهم نوادي عزف ورقص…

يتواصل حفل الافتتاح، لتبدأ فقرة التكريمات التي نالها كل من: حسنين بن عمو، عبد الواحد براهم، مسعودة بوبكر –التي تغيبت لتعرضها لحادثة سير- آمال مختار، ابراهيم الدرغوثي، محمود طرشونة، الناقد محمد القاضي، صلاح الدين بوجاه ومحمد علي اليوسفي.

نأتي الآن لما قاله شكري مبخوت في تيمة الملتقى حيث جال بنا في مختلف أنحاء العالم في محاضرته وبدايتها كانت من “برق الليل” للكاتب التونسي البشير خريف و”موسم الهجرة إلى الشمال” للكاتب السوداني الطيب صالح، الروايتين نشرتا في الستينات لنجد اليوم بعد فترة ركود تكاثر مطرد لتناول قضايا البشرة السوداء حيث يؤكد المبخوت أن دور الرواية إيصال صوت من لا صوت لهم.

سميحة خريس وهاني بركة ساكن وحمور زيادة وحجي جابر وأمنة الرميلي كلهم كتاب استشهد بهم المبخوت كي يبرهن على مدى إهتمام الكتاب العرب بموضوع البشرة السوداء وما يتعرضون له من إضطهاد.

وقد ارتبط اضطهاد أصحاب البشرة السوداء تاريخيا بأسواق النخاسة في مختلف البلدان وكذلك بالاستعمار -العنصرية، ونظرا لقلة المصادر التاريخية في هذا المضمار أو ما اعتبره المبخوت “تاريخ الوجع”  فقد سعى الروائيون إلى نقل المسألة إلى العوالم التخيلية كي تقول الواقع أو تحكي التاريخ على طريقتها وتتأمل وجها من وجوه الانسانية.. ذلك الوجه القميء والمخيف،  خاصة أن هناك نفي قاطع من العرب بوجود العبودية في تاريخهم، على الرغم أننا نعلم جيدا أن هناك الجواري والغلمان..

العبودية  على السود أما العرب فقد عانوا بدورهم من عنصرية المستعمر والغرب عموما لكن الأسود على أساس هذه المعادلة يكون اضطهاده مضاعفا، لذلك تناوُل مثل هذه القضايا يُعتبر على حدّ تعبير المبخوت من أجل “إعادة بناء هوية الانسان” وفي هذا السياق يقول فرانس فانون ” فرض اقتناع المغلوبين بدونيتهم، فاستبطان الدونية هي نقطة البداية التي لابد منها كي يتمكن النظام الاستعماري من فبْركة جوهر الهوية الدونية (وتفريعاتها) التي ينشرها الغالب بين المغلوبين”.

كما أننا نجد عنصرية بين أصحاب البشرة السوداء فيما بينهم فهناك سود المارتينيك مثلا الذين يشعرون بالتفوق على الأفارقة مما يعيدنا إلى مربع اللعب على هويّة متوحشة.

وبالعودة إلى ما يتعرض له السود والعرب بما أنهما يشتركان في وقوع العنصرية عليهما فإن المشهد العالمي متشكل من ثنائيات مقيتة أبيض/ أسود، مركز/هامش، متمدن/متوحش، مستعمر/مستعمر، مهيمن/تابع وغيرها من الألفاظ التي تزرع الفرقة ومزيدا من اتساع للهوة بين الانسان والانسان.

بعد ما أتم المبخوت مداخلته تبدأ أخرى فيها الحديث متعدد الآراء والمواقف والرؤى فكان في الجلسة الأولى كل من سميحة خريس من الأردن ونبيل سليمان من سوريا وحمور زيادة من السودان ابراهيم البرغوثي من تونس.

وفي الجلسة الثانية كل من خيرية بوبطان من تونس وسلوى بكر من تونس ومنصور صويم من السودان ومحمود ابراهيم تراوري من مالي وكلهم خاضوا في التيمة الكبرى لملتقى تونس للرواية العربية لتختلف الأراء حسب البلد والحضارة والتجربة الحياتية للكاتب نفسه لكن الاتفاق كان حول ماهية الانسان اليوم.

 

 

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق