الفنان يحيى يحيى.. عندما يتماهى الإنسان بالمبدع

إلى روح الصديق الفنان المسرحي يحيى يحيى في ذكرى رحيله..

بطاقة وفاء بقلم “منجي الطيب الوسلاتي”

كان أول لقاء لي بالصديق المسرحي الراحل يحي يحي في شهر ديسمبر من سنة 1992 أي أشهرا بعد ما فتحت دار الكاتب أبوابها في 26 سبتمبر من نفس السنة. ولم يمض وقت طويل حتّى توطّدت علاقتنا وأصبحنا أصدقاء لم نفترق حتى رحيله عنّا.كنّا نتجالس تقريبا بانتظام في كلّ الفضاءات التي كنّا نرودها : دار الكاتب ـJFK ـ دار الصحفي إلى جانب جلساتنا مراوحة بين بيتي ومكتبه بنهج البشير صفر بباب الخضراء أو بدار المربي مع ثلّة من الأصدقاء. وكانت جلساتنا يطغى عليا النقاش الثقافي، الفني أكثر من السياسي، حول الأدب والسينما والمسرح وأحيانا نؤثث لها بالموسيقى والغناء بحضور أصدقائنا من الفنانين : الراحلان شفيق الحكيمي والزين الصافي. وكذلك جمال قلّة ومختار الشيحي وإحسان العريبي ونوفل بن علي … أطال الله في أنفاسهم.

كنت وصديقي يحي نشترك في أشياء كثيرة من أهمها:

  • حبّ فنّ الشيخ إمام خاصة أغانيه التي كتبها نجيب سرور (البحر بيضحك ليه ـ حلوا المراكب مع المغرب وفاتوني وروائعه التي وضع كلماتها الشاعر أحمد فؤاد نجم “قيدو شمعة ونوّرولي” و”كل عين تعشق حليوة” وأيضا التي صاغها الشاعر أحمد فؤاد قاعود “وهبت عمري للأمل ولا جاشي”… حتّى أنّنا شرعنا في الإعداد لمشروع مشترك وكنا نعلق عليه آمالا كبيرة وهو أوبرات عن تجربة الشيخ إمام بالاشتراك مع الأصدقاء حاتم الغانمي، منير العجيلي، محمد بلطي وثلة من الممثلين.. وشرعنا في البروفات بجدية في فضاء دار الثقافة ابن زيدون ولكنها لم تستمر لأسباب عديدة أهمها الجانب المادي
  • حبّ قصيدة “أحمد فؤاد نجم” “بلدي وحبيبتي” الّتي كنّا نتنافس في إلقائها.
  • حبّ شعر مظفر النواب العامي منه والفصيح خاصة قصيدته “في الحانة القديمة”
  • هواية الطبخ حيث كنا نتشاجر من يتولى الدخول إلى المطبخ لإعداد مستلزمات جلساتنا.

كان صديقي يحي يحي يحسن معاشرة أصدقائه، فطنا، صادق الحسّ سريع الخاطر حاضر البديهة كثير الهزل فكه المحضر يعترف بالفضل لأهله مثال التواضع لا يدعي ما ليس فيه، طموحا إلى عزائم الأمور وفيّا أليفا ألوفا ليّن الجانب رغم حبه للمشاكسة والسخرية.
وقد كان يركّز في حديثه عن المثقفين على علاقة الإبداع بالمتلقي فقد كان يولي أهمية لفعل التلقي، فالعمل الإبداعي وحده لا يفعل شيئاً، منطلقا بالقياس من رأي “سارتر”: «تتضمن عملية الكتابة عملية أخرى هي عملية القراءة، الملازمة جدلياً لها، وهذان الفعلان المترابطان يستلزمان فاعلين متمايزين… لا فنّ إلا بالآخرين ومن أجلهم…». إنّ الآخرين، الذين يصدر الأديب عنهم ويعود إليهم، هم هؤلاء الذين يتمتعون بحرية مبدعة، فلا كتابة جديدة بلا حرية، ولا قراءة تستكمل كتابة العمل الأدبي وتمدّه بحياة اجتماعية إلا بحريّة موازية. وعن هاتين الحريتين، اللتين تتوزعان جوهراً واحداً، تصدر «الـمتعة الجمالية»، التي تأتي مع القارئ وتغيب مـع غيابه. ولهذا لا يعترف سارتر بجمالية العمل الأدبي إلا حين ينتقل من حيزّ مبدعه إلى فضاء القراءة الاجتماعية، كما لو كان في القراءة المبدعة ميلاد جديد للعمل الأدبي وميلاد لمبدعين محتملين، يعيدون كتابة العمل الأدبي في شكل جديد. ويحي يحي يتماهى مع المثقف السارتري، الّذي لن يكون والحال هذه، إلا الأنا المبدعة التي تتوجه إلى آخرين لديهم إمكانات مبدعة أيضاً. بيد أن هذا التلازم يستدعي الحرية شرطاً لتحققّه، ذلك أن الاستبداد لا يسمح بأنا ولا يقبل بآخر متمايز عنها ولا يرحّب بإبداع يكـدّر المألوف ولا يرتضي بحقيقة غير منجزة ولا يطمئن إلى الجديد ودعاة الجديد. ولهـذا جعل يحي يحي من حياته كلها، في الفعل الإبداعي وخارجها، دفاعاً عـن الحرية والتزاماً بقضـايا المدافعين عنها، شعوباً كانوا أم أفراداً.
ولم يسع يحي يحي كغيره من المسرحيين إلى خلق أسطورة لذاته بل كان طموحه الإخلاص للحقيقة الفنية والتصميم على أن يكون ملتزما بقضايا شعبه وعصره دون الدخول في عراك ضد ذاته كما فعل البعض معتقدين خطأ أن الرؤية الاشتراكية تعني التخلص من هموم الذات. لقد كان هدفه الأساسي هو أن يوثق صلتنا بعالمنا وأن يوجهنا إلى أن نضع أنفسنا في موقف منه. فمسرحه يعبّر تعبيرا صادقا عن أفراحنا وأتراحنا، منبثق من صميم همومنا الحاضرة، تطلعاتنا وآلامنا، انتصاراتنا وإخفاقاتنا. وفي نفس الوقت يعبر أيضا عن قلق إنسان متوحد معزول، وعن هموم إنسان ضائع حائر. فالذات عنده تلتحم بالأمّة والوطن والنضال والموت والحياة بعبثها ومن خلالها بالعالم. لذلك سعى يحي يحي إلى نحت شخصية له في مجال المسرح متفردة، محاولا اختطاط سبيلا مسرحيا جديدا. إننا عندما نشاهد مسرحه، (ننسى) المسرح ونغوص في الفلسفة، أو نجد أنفسنا نتمسرح فلسفيا، أو نتفلسف مسرحيا. لذلك يُعَدُّ يحي يحي في تجربته صاحب توّجه جديد خاص به، فقد ظهر في عصر بشّر بالتحديث في كل شيء (السبعينات والثمانينات) فتميزت تجربته بالصدقية والنهل من معجم الحرية رغم المنحى العبثي. وهي تجربة يمتزح فيها يحي يحي الفنان بيحي يحي المفكر بيحي يحي الإنسان امتزاجا غريبا رائعا ولا يكاد يترك لناقد فرصة للتعقيب على ما ينتج.ويمكن اختزال أهم شخوص مسرحياته في إنسان مسؤول يتحمل عبء حريته التي هي أساس وجوده. وأنّ هذا الوجود ضرب من العبث وعلى الإنسان أن يجعل له معنى أو بعبارة أخرى عليه أن يحقق وجوده بأن يحوله من الكينونة إلى الوجود./.