الرئيسيةحقوق الإنسان

الموت يغيّب الصديق والرفيق نبيل البكاري

غيّب الموت الصديق والرفيق نبيل البكاري، الذي ساهم بفكره في دعم منبر الأيقونة الثقافية ببعض الكتابات، بيننا وبين الفقيد مشاريع لم تنفذ وأحلام كانت تحلق بعيدا عن النمط والقولبة..بيننا وبينه كانت قوة الفكرة وعمق التناول وقد كان يعد لبرنامج لم ير النور للأسف فيه كان يتناول معظم الأمراض النفسية للفرد التونسي فالفقيد دكتور في علم النفس وكان أستاذا بالمعهد العالي للتربية البدنية بالكاف.. نبيل البكاري قد فارق الحياة جراء سكتة قلبية أو قل لعنة تفتك بجيل بأكمله يكابد الأمرين لإثبات وجوده فيصارع ويستنزف روحه التي تسلم أخيرا وتفارق هذه الآلة الجهنمية

من بين كتابات الراحل مقال لا يمكن أن ينسى حمل عنوان “غواية خطاب الموت في رواية « كاليتيم… على آخر بيت مُضاء « لكمال الشارني” كتبه بالاشتراك مع سمية الحبيب، رحم الله نبيل البكاري ورزقنا الصبر على فراقه المرّ..إنا لله وإنا إليه راجعون. نص المقال Souffrance et impuissance – voilà ce qui créa tous les arrières-mondes. Nietzsche “هذا هو الخطأ الذي نقترفه دائما: نتخيل أن الكائنات تفكر فيما تقوله…” جاك لاكان في لحظة ما تُهمل العائلة إحاطة أحد أفرادها فيما هو يعيش أزمة بحث عن الهُويّة جرّاء الضرر النرجسي الذي لحقه من محنة الفقد : فقد الأمّ و الأب و فقد مؤازرة العائلة و ممانعتهم لتزويجه ابنتهم . في الأثناء يسقط هذا الكيان النفسي الهشّ ضحيّة خطاب انتهازي أوهمه القدرة على جبر هذا الضرر النفسي و القدرة على توفير إمكانيّات انتماء جديدة و فرص تموقع جديد و تماسكا نفسيّا في التعامل مع العالم المحيط و مع الآخر عبر تحصيل هامش قوّة و إرادة تعينه على تجاوز كلّ خساراته و احباطاته . و بما “أنّ حقيقة ما قبل جبال البيرينيه ليست هي نفسها حقيقة ما بعدها” كما يقول المثل الفرنسي ، فالعاشق اليتيم الذي تخلّى عنه الجميع حتّى الله و لم يبقى له من هذا العالم سوى كيس صور أمّه و صور بعض الأقارب و رسائل و أشياء شخصيّة لا تهمّ غيره (ص 112) و الذي قرّر الـ”هرب من بيت خالته بفعل قصّة الحبّ من جانب واحد ” (ص 45) وجد نفسه بعد تسارع الأحداث و تواطؤها ضدّه و قد تحوّل في الأخير إلى إرهابي و أبعد من ذلك الى أكثر العناصر الإرهابية المطلوبة للأمن التونسي بما أنّه من ” أحد أخطر قنّاصة الإرهابيين المتحصّنين بالجبل ، و أكثرهم انضباطا لقرارات قادة الإرهابيين” (ص 14) .تشكّل هذا التحوّل حينما اعترض عبد السلام (المكنّى بأبي عبيدة الكافي) الأشخاص الخطأ في الأوقات الغير الملائمة لمّا وقع أسيرا لخطابهم . كان خطابا يتأرجح بين الإصغاء و التعاطف و بين المراوغة و التغرير: ” استغفر الله ، الله لا يتخلّى عن عباده لقد أرسلنا الله إليك لإنقاذك و إعادتك إلى الطريق السوي حتى لا تموت ميتة الجاهليّة […] الله رؤوف رحيم ، كنت ستموت ميتة جاهليّة لكن الله أراد لك النجاة على أيدي هؤلاء الإخوة ، نحن منذ اليوم أهلك ، لن تحتاج الى شيء طالما أنت معنا […] لقد فقد رسول الله صلى الله عليه و سلّم أمّه و هو في عمر أقلّ من عمرك ، لكن الله جعل منه رسولا و أقوى رجل في تاريخ هذا العالم ، اصبر ، اتبعنا على طريقنا و سيجعل الله منك رجلا عظيما”[…] الله يرعاك و نحن نحبّك ، حبّ الله أكبر درس للإنسان و أفضل من الجامعة التي لن تدرسك سوى الكفر ، الله لا يسأل الله عنك إلاّ لما يحين أجلك ، لا تهتم إذن ” (ص 112 ؛ص113؛ص 115 ). يطرح السؤال نفسه: كيف وقع عبد السلام في غواية هذا الخطاب القاتل ؟ و ماهي الدلالات النفسيّة لهذا الخطاب عند عبد السلام و الذي حمله في الأخير نحو حتفه ؟ مات عبد السلام لأنه افتتن بغواية خطاب الموت. رغم أنّه اكتشف في الأخير أنّه كان خطابا انتهازيا و قاتلا قاده إلى نهايته و حتفه : ” آه يا أمّي ، لم أخلق لقتل أحد ، ان الشيء و الوحيد الذي أفلح فيه هو قتل نفسي […]- عن أيّ جهاد تتحدّث (…)؟ هل تعتبر افتكاك المؤونة من الريفيين جهادا ؟ أو نصب الكمائن للجنود البسطاء من الفقراء جهادا ؟ هل فهمت شيئا من الجهاد منذ دخلت الجبل ؟[…]- (…) لقد قتلت نفسي عندما جئت إلى الجبل[…]- لا يستطيع الرجل أن يكون مقاتلا، طالما قلبه جريح و مُهان، لا أنجح في الحبّ و لا حتّى في التحوّل إلى مقاتل، أي شيطان حبّ رمى بي في هذه المعركة الخاسرة يا أمّي؟” (ص 181 ؛ ص208 ؛ ص229 ؛ ص33). أمّا أسباب افتتان عبد السلام بخطاب الموت فتعود، في تصّورنا ، أساسا إلى ثلاثة أسباب. أوّلا ،مخالفة هذا الخطاب لما اعتاد سماعه . فعبد السلاّم الذي استمرّ ” محميا بيتمه المبكر ، بطفولته المعذبة و بعينيه الحزينتين و قبلات خالاته و خصوصا حماية أمّي (الجدّة) في الأعياد الدينيّة و الأعراس ، كانت أخواتي يقلن لأختي أمنة :- تذكّري فقط الراحلة أمّه ، احرسيه في عينيك ، لا تتعبي من تحمل حماقاته . ظلّ يكبر في حوش خالته وفق منطقه و طريقته الغريبة في العيش ، يأكل عندما يحسّ بالجوع، يستيقظ عندما يهجره النوم ، يعيش على صدى صوت مريم في الحوش و على رائحتها في فراشها و ملابسها المعلقة في غرفتها.” (ص 93 ؛ص94) كان واقعا أغلب الأحيان ، عدا الجدّة ، تحت طائلة خطاب اتّهامي تهكّمي : ” – حتى أنّ زوج إحدى أخواتي قال عنه بحدّة صادقة: -لا أدري من أين جاءكم هذا المخلوق ، انّه يشبه عبدة الشيطان بشعره الطويل و لحيته المتفرّقة[…]- -قال زوج أختي علنا أمام الجميع بصوت حاسم :- أريد أن أعرف ما إذا كان عبد السلام بن أخيك ما يزال أخا لبناتي أم ينوي شيئا آخر ؟[…]- ابن أختك المعتوه لا يصلح للزواج من أي شيء، لا تجرموا في حقّ الطفلة المسكينة ” (ص55؛ ص 94 ؛ص 81). تترجّم الجدّة هذه الإتهاميّة لما حذّرت أبناءها من المبالغة في التحامل على عبد السلام : ” إّنكم كلّكم ضدّ عبد السلام لأنّه يتيم و لأنّه أقرب إليّ منكم ، دعوه في حبّه ، إذ ليس له أمّ أو أب ، لا حب إلاّ هذه الطفلة ، هو على الأقلّ لا يزعجها في حبّه لها” (ص82). وفق المنطق الفرويدي ، السلوك الاتهامي مسؤول في مرحلة أولى عن ميل الفرد إلى تأنيب الذات. و في مرحلة ثانية يكون تأنيب و اتّهام الذات هو الباعث و المسؤول عن تأجيج مشاعر الذنب العميقة لدى الفرد ” مفاجئتي ، كانت أنّ الشعور المتعاظم بالذنب قد يجعل من الإنسان مجرما” . اثر هروبه من المنزل عند أوج خيبته يجد عبد السلام نفسه في غواية خطاب مغاير.خطاب يذكّي مشاعر الإعتداد بالذات بدل التهكّم و يؤجّج فيه الحماسة بدل الإتهاميّة. هكذا كان خطاب الإخوة، وفق منطق ديني تجنيدي،”ترميميّا” لذات عبد السلام المنكسرة أمام بشاعة راهنها : ” الله يرعاك و نحن نحبّك ، حبّ الله أكبر درس للإنسان و أفضل من الجامعة التي لن تدرسك سوى الكفر ، الله لا يسأل الله عنك إلاّ لما يحين أجلك ، لا تهتم إذن ” (ص 116). ثانيا ، لقدرة هذا الخطاب في ضمّ الأبعاد اللاكانييّة الثلاثة معا : الواقعي و الخيالي و الرمزي مما دفع بعبد السلام بالانسحاب عن الواقع و تجاهله مواجهته و ذلك بإسقاط إشكاليّته النفسيّة و إغراقها فيه (أي الواقع ) و تحويلها إلى ذريعة تبريريّة نرجسيّة لمغادرة العائلة و حمل السلاح و الجهاد . فالخطاب قد أوهمه القدرة على تصريف حالات الإحباط و كلّ هزائم الواقع و إبدالها بأخرى متخيّلة تعويضيّة موغلة في النرجسيّة يكون فيها عبد السلام قادرا على إعادة تشكيل صورته على طريقته الخاصّة. هي صورة المحارب المجاهد و المنتصر لا على عائلته فقط بل على الجميع. يقول عبد السلام بلهجة لا تخلو من عُصابيّة (Névrotique) “- (…) إنّهم يكرهونني لأني يتيم و لم أدرس مثلهم في الجامعة […]- لقد وصلت إلى نهاية الطريق ، لم يعد لي شيء أندم عليه ” (ص116 ؛ ص 120) . هكذا يمنح خطاب الموت لعبد السلام وهم التحوّل إلى “كائن خُرافي” حسب عبارة فتحي بن سلامة (2016) ” أنا لن أعود أبدا ، عندما يهرب الرجل من خذلان الحبّ، لا يستطيع الذهاب إلا إلى جهنّم “(ص107 ). أمّا الحيلة النفسية التي اعتمدها الخطاب في غوايته لعبد السلام هي قدرته على تقليص المسافة بين حدود ” الأنا و اللاّ أنا Le Non-Moi، بين الواقعي و غير الواقعي، بين الحياة و الموت ، (…) إلى درجة يبدو معها مباشرة فعل التضحية بالنفس في النهاية سهلا ، و يغدو مجرّد خاتمة” ، لا مكان للحلم فيها غير النسيان و الموت. يقول عبد السلام ” لا يملك الرجل أحلامه ، لست بحاجة إلى نصائح للنسيان ، لقد جئت هنا من أجل النسيان” (ص 16) . ثالثا ، ببساطة التعبير الفرويدي يمكن توصيف مأزق البطل في عجزه عن تصريف فقدان الأمّ أساسا و عدم القدرة على إقامة تعويض ناجح فقدان ثاني و لأسماء الأب بالمعنى اللاكاني و الذي أفرغه في أسماء أخرى تعويضيّة أموميّة (أي من داخل عائلة الأمّ بدل الأب) فشلت في احتوائه و تصريف قلق احباطات الفقد و شعور النقص ، لتأتي في الأخير مريم التي ستؤجّل مسألة فقدان الأمّ إلى حين لتؤججها و تُفجّرها في وقت لاحق بلامبالاة كاوية “-تعالي هنا ، ابن خالتك (عبد السلام) يحبّك و يريد الزواج منك ، هل كنت تعلمين ذلك ؟ […] أمّي ، هذا اخر ما يهمّني اليوم ، أنا مرهقة ، لا أحبّ أن يسألني أحد عن مثل هذه المواضيع أبدا ” (ص 97 ؛ ص 98) ليندفع اثرها عبد السلام إلى معالجة فقده بطريقة موغلة في العُصابيّة طورا وفق منطق نكوصي (Régressive) يذهب به حتّى العودة الى بدايات الأشياء و ما قبل الولادة ليلاقي والديه و يحاورهما في الحلم “لا يدري ان كان ما راه وقتها كان حلما ، أم رؤيا ، أم هذيانا بسب ارتفاع الحرارة و تعفّن الجرح ، كلّ ما يعيه أنّه رأى أمّه و أباه في عرسهما (…) –نحن لم نتزوّج بعد ،فمن أين جئت ؟ -أنا جئت من وجع العزلة و اليتم ، من تخلّيكما عنّي .-نحن لم نتخلّى عنك ، لأننّا لم نبدأ بعد “( ص 215) ، “- اه يا أمّي ، لم أخلق لقتل أحد […]- عصام ، أنتم لا تعرفون كم أحبّكم و كم اشتقت اليكم […]- لا تهتم ، لا تذكر ما حدث لأحد ، فقط أحبّ أن أقول لك شيئا مهما قله لأهلي : لا أحمل دم أحد في يدي، أنا لم أقتل أحدا ، لم أطلق النار على أحد ، لقد كنت اليوم هاربا منهم ” (ص181؛ ص 229؛ ص 229) و طورا آخر بمنطق سادي- مازوشي يسعى نحو موته و موت الآخر معه : “-لم يعد لي شيء أندم عليه قبل أن أذهب للقتال من أجل الله […] -أنا واثق من نفسي أوّلا ، أريد أن أقاتل مع جند الله من أجل كلمة الله […] –أنا أبذل روحي لأجل الله، و من حقّ أن أعرف، أقاتل من و لماذا ؟ ” (ص120 ؛ ص 121؛ ص 150) ختاما : واقع بواقع آخر و البادئ أظلم … رغم زعم الكاتب أنّ أحداث الرواية “ليست أحداثا حقيقيّة بأيّ شكل من الأشكال” فان حكاية عبد السلام في “كاليتيم …على اخر بيت مُضاء”توفّر لنا مادّة فكريّة و أخلاقيّة بالأساس للبحث في دوافع انجذاب الشباب نحو فرق الموت الارهابيّة . هي حكاية أشبه بالمعادلة يُقدّمها لنا كمال الشارني و التي يجب الاعتناء و السهر على تفكيكها و التفطّن لمواطن خطورتها في غواية الشباب و جذبهم اليها : إنّ ما يصنع الإرهابي هو لحظة انهزام خطاب العائلة و الأسرة و المجتمع في الإحاطة بالشاب أما خطاب اخر يتشكّل ، وفق معطيات سياسيّة و مصالح إستراتيجية اقليميّة ما، متخفّيا وراء دلالات تعويضيّة تُوهم الشاب لأمثال سنّ عبد السلام و التي ربّما تشابهت اشكاليتهم النفسيّة معه . على القدرة ، باسم الدين مثلا، على التخلّص من إحباطه و تنفيسها و تطهير ذاته و افراغها من الرواسب النفسيّة العصابيّة (Effet de Catharsis) العالقة بهم طوال نشأتهم . فلا أكثر جاذبيةً من خطاب ، و لو كان يحمل في طيّاته الموت ، يكون الإصغاء و التفهّم و التعاطف و عدم الحكم و التقييم (Non-Jugement) من مكوّناته الأساسيّة ، أمام خطاب عائلي اجتماعي اتّهامي و ساخر يدفع بتأنيب الذات و تأجيج مشاعر الذنب . هكذا يوفّر الخطاب القاتل ، للشاب وهم القدرة على الخلاص من مواجهة واقع مُحبط و ذلك عبر إغراقه في واقع آخر تعويضي متخيّل يحميه من احباطاته جرّاء قلق المتكرّر (Malaise). في حالة عبد السلام كان مصدر قلقه يتمحور حول الفقد :فقد الأم و فقد الأب و فقدان “الحبّ” .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق