الرئيسية

الهجرة غير الشرعية..” الحرقة” – ذنب النظام والضحية

بقلم أحلام سليمة- الأيقونة 

 ليس بالجدة جنائز البحر الجماعية التي تزف لأوساط البلاد جنوبا شمالا اثر موجات الهجرة غير الشرعية المتواترة سنويا اعقاب الثورة والصدام النفسي الذي يعايشه المواطن في غمر وضع مزر وانسداد لبوادر الانفراج.. ولعل تعاقب هته الظاهرة بل وترسخها في مطامح العقل التونسي الفتي هو ما يجعلنا لا نكل من طرحها والتباحث فيها بين الاسباب والنتائج والتطورات الحاصلة سلبا وايجابا اثر كل تفاعل في خضمها.. وخاصة امام الانشقاق الجوهري في الاراء بين التعاطف والتبرير وبين اللوم والزجر.. فهل “الحرقة” اليوم حق يتدرج ضمن حرية الانسان في الكفاح لاجل مستقبل افضل وبديل عملي عن الوطن في عجزه عن تحقيق التكافؤ في العمل وحق الحياة “بتعريفاتها المحدثة من تمتع بوسائل التواصل والرفاهية والعيش الحداثي…” ام انها جريمة “خرق للتعامل الدولي في احترام حدود الدول والخضوع لنضمها.. بل تصل حد اعتبارها جريمة خيانة للوطن تنكلا له و استنزافا لسواعده العاملة” “الفقر” “البطالة” الابوان البيولوجيان المقترحان ابان اي مشكلة وطنية تطرح فهل يعقل ان نكتفي بالوقوف عند حصر المشكل فيهما؟! الا نكاد نجزم انهما الخرقة التي يحجب بها عمق السواد وبؤره… ولعل ازمات الحياة اليوم اكثر تشعبا من اختصارها في ظرفيين تنسب لهما فوقية المصدر وانفلاته عن الاحتواء ولابد اليوم من نضرة اشمل وادق واكثر تمحيصا في الوقائع نضرة تحتوي البعد النفسي والفكري للـ”حراق” بل للتونسي ككل باعتبار استحواذ فكرة الهجرة شرعية كانت او غير شرعية على تفكيره وهو ما يطرح حرج امام صفة الشرعية ومعايير تحديدها هل يكفي ان ينتهج التونسي سبيلا غير قانوني لانعدام السبل والامكانيات لديه ليعتبر ترحاله غير شرعي؟!!! ثم غير شرعي لمن؟؟! وضمن اي موانع و خدمة لاي مصالح؟!
1-“الحرقة” فرار من وطن الحرقة ابان الثورة وانكشاف التازم الاقتصادي للوطن وانقشاع غشاء التعايش المرن مع متطلبات الحياة كشف لنا الواقع حقيقة تصدع هياكل الدولة والمجتمع واهتزاز اركانها فبعد ان كان التصور المثالي لتونس التحضر والثقافة والتعليم الممتاز يتصدر مخيلة التونسي في كل اقطار البلاد جاءت الثورة بازمات مخلفات العيش لتهدم وهم المثالية الذي بناه النظام قصد اخضاع العواطف وتشابك مشاعر المواطنة مع مشاعر الخضوع للسلطة ولعل انهيار سقف الوهم فجأة هو ما خلف شرودا وضياع في شعور الوطنية والانتماء وكيفية تبلورها في الحياة والمعاملات الذي لاننفك نعايشه آنا في سلوكات المجتمع من موضفين طلبة عاملين و”بطالين” فلا يخلو فاه من شعارات الانتماء الوطني و الاعتزاز الجهوي متى وقف التونسي مطالبا بحقه وما ان يجهر سؤال الواجب “المدني” حتى يغلب منطق الانات والتذمر والمماطلة والتعلل فمن ذا الذي يؤجل اشغاله اليومية ساعة اضافية في العمل الاداري بل لقلة من يخلص في التزامه بعمله نكاد نقصي منطق الالتزام في حياة العامل التونسي.. في تونس نتحدث اليوم عن ثقافة التقاعس والتراخي والفوضى واعوجاج الصفوف.. نتحدث عن قانون لا يفارق ايجابه النص الدستوري و سلبه وثغراته تعانق الواقع التطبيقي… اوضاع خلاقة للنفور بكل اصنافه نفور منبثق من الاهتزاز الاخلاقي والقيمي السائد فكيف لا يفر ابن الوطن من ذاك الوطن.؟! وان كان هو ذاته مسهم فيه دون اعتراف.. ونبقى امام ازمة اعتراف ضمني بين الوطن ومواطنيه… ازمة فضل فيها التونسي تخبطه بين الموج ليلة عن تخبطه اليومي في بلد العواصف وهذا محرك اساسي لشعور الرغبة في الهجرة
كثيرون ممن اشارو لعامل الفقر والبطالة كموجه أساسي للرغبة في الهجرة وتوسيع الافاق خارج حدود الوطن وان كانا فعلا سببان اساسيان فان استفحالهما اكثر وامتدادهما بوتر تسارعي في السنوات الاخيرة ازم الوضع اكثر.. “الحراق” اليوم تجاوز مطمح الهجرة لايجاد عمل وتحسين سبل العيش واصبح الدافع الاكبر ليس الفقر بل سياسة عدم التعامل الجدي معه وعدم طرح حلول جذرية واقعية له، التونسي لم يتعب من الوضع المادي المزري انما تعب من قتل الامل في تصوره لايجاد حلول للفقر ذاته.. ومطمحه بات التوجه نحو اوطان ذات سياسات وفاعلية وسلطة وامكانيات اكبر لايجاد الحلول.. الهروب اليوم لا من الفقر بل من عجز الدولة “سياسيين وهياكل بل وعقليات” “الفقر” تجاوز مسألة الاقتتات نحن اليوم ازاء تعريف حداثي للفقر وهو ما يستهين به الباحثون في تعامله مع اسباب الهجرة… لم نعد نتحدث عن تردي وضع معيشي في اختصاره “الغذائي”    و”الكسائي” الفقر اليوم يتجاوز العجز عن اشباع البطن وستر العورة نتحدث عن جوع ذوقي وجوع فكري وجوع عاطفي وجوع حسي وجوع لشعور الارتقاء الانساني مواكبة للتقدم والتطور.. الانسان اليوم تجاوز بحثه عن الشعور بالشبع المادي انما يبحث عن شعور الشبع للانتماء الحضاري والانفتاح على اسلوب معيشة الغرب في ترويجه “المثالي” المتعالي عن واقعنا المعيش… التونسي اليوم لم يعد يطالب الدولة بالخبز فالخبز حق حياتي تجاوزنا المحاربة في سبيله منذ عصور وخزي ان نقف عنده وقد سبقتنا دول في حفظ حق حياة خنازيرها.. التونسي اليوم يبحث عن حقه لحيازة التقنيات الحديثة وولوجه اليومي للانترنات يبحث عن حقه في ان يماهي التطور سريع النسق الذي يعايشه العالم المتقدم… “تشير الدراسة إلى أن 83% من المستجوبين تراوح تعليمهم بين المرحلة الثانوية والجامعية، و66.1 % يعملون أو يتابعون الدراسة” لم يعد يقف التونسي عند حدود حاجز الفقر او البطالة نجد مهاجرين عاملين بل ومن اوساط مادية مقتدرة جزئيا بعضهم لازال في فترة تكوينه المعرفي ولا آمال لديه في الوطن ولا في تلك المعرفة… التونسي اليوم في “حرقته” يبحث عن غزو عالم افضل من حدود وطنه التمكنية يبحث عن الحلم المثالي الذي يشاهده في تلفاز وقائع مجتمعات اخرى “يخالها افضل” وقد تكون.. من يعلم يضل الحاجز بينه وبين ان يطأ الحلم ليكتشف مصداقيته بحر و ربان
2-“الحرقة ثورة شعبية ماركسية النفس امام طبقية دولية برجوازية السياسة” كل هيمنة ولا بد ان يتبعها تصدع ضمني.. تصدع ان لم يعلى بتنفيس جزئي تضخم حد الانفجار الفجئي.. و”الحرقة” قد تكون ثقبا من ثقوب التنفيس الغير مباشرة… الواقع السياسي والاقتصادي والثقافي يعكس تطبعا واضحا وتبعية غير مباشرة للغرب في خضم المشروع العولمي الشامل فلا انكار للاغتراب الذي يعيشه الانسان عن ذاته ووطنه وثقافته.. وكما كانت سابقا البرجوازية في تعريفها الاول القومي محركا اساسيا لاضطهاد العامل وبتالي طبقة كاملة نحن الان ازاء برجوازية دولية يجسدها”عالم متقدم” حائز على وسائل القوة والنفوذ “وعالم نامي” فقير القوى محدود النفوذ بل مجرد منه حتى على نطاق داخلي… العولمة قفزت فوق حدود رأس المال وباتت تكرس “الرأس” بمعنا الفكر لخدمة المال ونفوذ وسيطرة والصراع صراع ايديولوجيات قبل كل شيئ وفوق كل شيئ.. اليوم نجد ترويضا للعامل الغربي بمعنى تمكينه من الرفاهية لتحقيق التكافؤ القومي والتوجه نحو البديل الاجنبي الاقل فرصة للمقاومة والانقلاب فمن الطبيعي ان تجد العامل في وطن الشركة براتب اضعاف اضعاف زميله بنفس العمل في فرع نفس الشركة العبر قطري وقس على ذالك ضروف العمل وحقوق العامل… ورغم وضوح هته السياسة الجائرة للعلن الى ان الدمغجة والتحكم الايديولوجي هو المكمم للافواه فالنظام شامل متشابك قويم الاسس متى تحكمت في اسعار الموارد والمواد و تمكنت من وسائل الترويج وحزت السبق العلمي والتكنلوجي وكنت المحرك الاساسي لعجلة الاقتصاد والمتحكم فالاسواق والاشد تسلحا بل المتحكم في عسكرة الدول اي قوة قد تجابهك واي عامل قد يشتكي ؟!!!! واين التونسي في كل هذا.. ذاك المواطن ممن يعايش اجبارا لغة المستعمر التقليدي في كل معاملاته الادارية والتعليمية والتجارية الخ الخ مع تساؤل وتذمر قولي وممارسة غير منقطعة .. ممن يرتدي البسته من السوق التركي والصيني.. المروج بلاساس للباس على الموضة مجهول المصدر..!! ممن يتناول اطعمة وهو مدرك فعلا لجهله محتوياتها ويتذمرا من ذلك ويتابع الاكل.. ممن يدرس وهو واع وقتية حفظه للمعلومة وتحصيله العقلي ضعيف المحتوى عند التخرج.. ويتخرج.. ممن ينتخب السياسي الفلاني لكونه وزع الاضحية وهو واع ان توزيعه ذاك انما اتجار بالاصوات.. وينتخبه.. اين ذاك التونسي.. ذاك التونسي اصبحت امه تحمل حقيبته قبل ان “يحرق” وقد كانت سابقا تنهاه وتنتحب ذاك التونسي الذي اصبح وان حاز عملا او شهادة “يحرق” ذاك التونسي وان كان وضعه المعيشي مقبول يضل “يحرق” وحتى رغم الترويج القائل بسوء ظروف الوجهة المنطلق اليها يحرق و”يحرق” لكون في باطن باطنه يعي انه المضطهد في كل الضروف يعي انه ابن وطن نام ولابد من ان ينطلق يوما ليفتك حقه في ذاك الوطن المتقدم..
الهجرة.. استدراج سابق وتكدس لاحق لا تعتبر الهجرة ظاهرة محدثة بل هي فعل تقليدي كان منذ سنين مطمح الشاب التونسي في بحثه عن افاق اشسع ومستقبل افضل فحتى بعد الاستقلال توارثنا منطق النضر الفوقي نحو الكيانات المستعمرة في تجسدها الجديد كدول متقدمة افضل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بل حتى اخلاقيا وانسانيا وتطبع في الاذهان الترويج الناعم لاشكال المساعدات والرأفة وحقوق الانسان بل ابعد لتحفظ حق الحيوان والفكر المثالي لتلك الدول حتى طغى ذاك الترويج عن الوقائع التاريخية بل الملابسات الواقعية الحقيقية لمشاكل اغلب الدول النامية وحتى في سياسات الوطن التطورية بمساعيها المواكباتية للحداثة كانت في تعاملها تأخذ المستعمل السابق حليفا لاحقا في الاقتداء والتوجيه لتحسين الاوضاع والتوجه نحو التقليد “شكلا” قبل مضمونا لتلك الدول وفي خضم كل ذلك غفل المجتمع عن حقيقة الاستدراج والاستمالة نحو كسب ادمغة و شغيلة باسعار زهيدة تعوض الخسائر البشرية التي خلفتها الحرب في الوسط الاوروبي.. فما كان الى ان يتجاوب الباحث والعامل العربي عامة والتونسي خاصة مع رواج الهجرة كرد فعل ازاء وضع الجمود ومحدودية امكانيات وطنه مقارنة مع مطامحه وقد عايشت اوروبا انتعاشة فعلية اسهم فيها بقوة المهاجر التونسي “فالدراسة المنشورة شملت 1168 شابًا تونسيًّا تتراوح أعمارهم بين 18 و 34 سنة عامًا” عقل وجهد فتي وطاقة … لكن لم تتباين حركة الهجرة مع نسق الاكتفاء بل تضخم مطمح الهجرة الذي حفزه الازدهار الغربي والتأخر الشرقي حتى انفلت صمام الاحتواء ورغم تصعيب السبل للحد من الهجرة الشرعية لم يعق ذلك المساعي نحوها بل خلق ذرائع اكبر للبحث في الوسائل السرية التي تجسدت بالاساس في”الحرقة” وأصبحنا الآن إزاء واقع السعي لتنفير والتخويف وغولنت الظاهرة كرد فعل عكسي للاستمالة السابقة “وصادقت تونس على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2000 والبروتوكول الإضافي حول مكافحة تهريب المهاجرين عن طريق البر والبحر والجوّ”… وتبقى مثل هذه المسببات في طي التغاضي ويبقى دافع الكلفة الاول العود اللين في الجذع. قتل الاحلام والاتجار بها.. من اخطر الجرائم بحق البشر بيع الوهم وتزييف الامال ومقايضة الخبز بالفكر جرائم شنعاء لا تطرح في المحاكم ولا يحاسب الجاني فيها فنحن للاسف بشر المعاينة لا نعترف الا بالدليل الملموس وننكر ونتنكل للضمير الحسي ضمير يصرخ باسم الغارقين والفارين والمقتولين ضحايا واقع لا اخلاقية الممارسة واقع التباس الحق بالباطل والتلاعب بالعواطف وتوجيه الايديولوجيات واقع يقتضي ثورة ثورة للحياة ضد الموت.. موت الشعور وموت الحقوق وموت الارادة.. ثورة منا فينا او لا تكون
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق