“الهربة”.. الدين والرذيلة وجها لوجه

ليلى العوني – الأيقونة الثقافية

عكس ما يوحيه عنوان الفيلم، “الهربة ” كان مواجهة بين الحيوان الكامن داخل جسد الإنسان والدين أو المفهوم المغلوط للدين ومكبوتاته. اليوم 17 ديسمبر 2020 إنتظم عرض ماقبل الأول لفيلم “الهربة” ضمن عروض أيام قرطاج السينمائية في دورتها 31 بحضور مخرجه غازي الزغباني وأبطاله نادية بوستة، محمد حسين قريّع، رانية القابسي، لسعد بوسبيعة.

ليس صدفة أن يُنتظم فيلم “الهربة” تحديدا في ذكرى عيد الثورة، الثورة التي جلبت لنا التشدد والتكفير والإرهاب لكن، أحداث الفيلم تدور في فترة حكم المخلوع حينئذ “اللحية” والأفكار المعارضة سببا في الإيقاف والتعذيب. يروي الفيلم قصة متخرج حديث لم يُذكَر إسمه.. ملتحي ومتشدد دينيا يهرب من قبضة الشرطة ليقع في قبضة مومس في ماخور بالمدينة العتيقة بتونس. يتوسلها للمساعدة فإذا هي تقبل لكنها في المقابل تضعه في مواجهة مع ذاته وأفكاره..

عرفنا “الهربة ” مسرحية لكنها رواية قبل أن تترجم إلى عديد الأشكال الفنية آخرها فيلم إلا أن هذا الفيلم لم يستطع أن ينزع عنه جبة المسرح أو لعل للمسرح رهبة ووقارا بحيث يصعب التخلي كليا عن تأثيره..فنجد أن الفيلم برمته يحدث داخل غرفة لا ديكورات  ولا إبداع من حيث الصورة كما نجد الحوار مسرحي بالأساس لا سينمائي فكأنك تشاهد مسرحية مصورة..

نقولها دائما لا ينجح فيلم أو أي عمل مصور يكون فيه البطل هو المخرج، غازي الزغباني ربما لم يدرك أنه يجب أن تكون هناك عين ناقدة رؤية أخرى ووجهة نظر مختلفة فبالإختلاف تكتمل فيسفساء العمل السينمائي ولكن رغم ضعف آداء الزغباني إلا أن السيناريو وقوة الكلمات المسرحية فيه بالإضافة إلى آداء نادية بوستة قد إستطاع نوعا ما تعديل الموازين.

تغوص نادية بوستة -بائعة الهوى – داخل نفس المتشدد وتسبح داخل أغوارها تارة بالرفق وتارة بالعنف، تجبره أحيانا على التحدث بعنف وقسوة وتهدده بفضح أمره للشرطة إن لم يستجب لأسئلتها تخفي بها رغبتها في التعرف عليه، أولا ومعرفة ما يدور في رأسه، نحوها ونحو حياتها وكيف تعيشها وتغيير أفكاره وتجعله يعترف أن للجسد أحكامه وللغريزة شأن لا يمكن تجاهلها فكانت العلاقة مد وجزر ..أخذ وعطاء..نور وظلام حياة وموت حب وكره رذيلة وطهارة تلك الثنائيات المتضادة تتقاطع على تنافر معلن وتتقارب روحيا شيئا فشيئا.. لم تتوان بائعة الهوى عن الإفتخار بعملها أولا رغبة منها في إستفزازه لكنها إستدركت بعدها ليتبين لنا الأمر بأنها تعمل لتعيش. تتعرى وتُعري في آن تشدد البطل وتجعله يرى نفسه بمرآتها وينظر بمنظورها إلى نفسه فينقد نفسه بنفسه ويستسلم أخيرا..

يتنهي الفيلم بإنتصار حرية الجسد على الجمود والموت. بائعة الهوى رغبت في تبني المتشدد بعد أن أفقدته عذريته وطهارته فكأنما الجسد قادر على إحتواء النفس، العقل، المتناقضات والرغبات، أن الجسد مزيج من المقدس والمدنس.. عادت بائعة الهوى إلى الأم داخلها وأقنعته بحيلة لطيفة أن ينزع لحيته لنتبين بعدها أنها كانت بذلك تحميه من عيون الشرطة وكذلك تعيده إلى ذاته وكيونته وترجع له هيئته الأصلية كإنسان مدني.