الرئيسيةمسرح

“الهربة”  لغازي الزغباني: “مهما كنت شخصا صالحا سيحكم عليك الناس بناء على مزاجهم وحاجاتهم”

يُسري المهذبي -الأيقونة-
انطلاقا من فرضية أن التطرّف الديني يسود العالم اليوم خاصة منطقة الشرق الأوسط ، حين نبحث في أسباب و تداعيات التشدد الديني نجد منها الانحراف عن معايير العدالة و العقلانية فكثير من معتنقي الأديان يؤمنون بالدِّين بشكل بعيد عن تحكيم العقل، و اشكالية عدم تقبل الاخر من البلايا التي ابتلينا بها، و التصور التآمري للاخر والذي يجعل الشخص يرى الاخر على انه العدو او الخصم المخالف دائما.
من هنا حملنا معه المخرج و المؤلف غازي الزغباني الى عرض مسرحيته ” الهربة ” مقتبسة عن نص باللغة الفرنسية للكاتب التونسي حسن الميلي ، عرضت “الهربة” في فضاء لارتيستو أيام السبت والأحد 05 و 06 جانفي 2019 و تمثيل كل من نادية بوستة و غازي الزغباني و محمد قريع حيث رمى المخرج بالمتطرف دينيا وسط غرفة من غرف الماخور أين توجد “نرجس”       (نادية بوستة) بائعة الهوى وهي ملقاة على سرير قديم.
بهدوء نسبي يتقدم المتطرف غرفة تحتوي  ثلاجة فارغة لا يوجد فيها سوى تفاحة و قارورة خمر من جهة اليمين مرحاض قديم..
هذا العمل أراد ان يعطي صورة جميلة لأولائك المنسيات لأنهن أولا و أخيراً مواطنات يعشن في هذا البلد الظالم و يحق لهن أن يحصلن على رزقهن ولو كان ذلك بأجسادهن حين تصد كل الأبواب والمنافذ في وجوههن.
و بشكل مفاجيء و غير منتظر يدخل شاب ملتح  بلباس أفغاني مرتعشا ، منهك، متعب يتصبب عرقا فارا من مطاردة رجال الأمن له، هو متحصل على أستاذية في الإعلامية،هي تقريبا لا شيئ.. يبدأ الحوار بينهما ومن عالمهما نكتشف سخرية الأقدار من كليهما تتساقط الاقنعة قناعا تلو الاخر ، حيث نجد أنفسنا أمام مومس حقنتها الحياة والتجارب القاسية وطبيعة عملها  بالحكمة والمعرفة والصبر من دون دراسة أكاديمية ، فرأيناها تعري الحقائق حقيقة تلوى الأخرى وتنبش في ذاكرة المتطرف وتجادله بكل ثقة في النفس وتعطيه دروسا مؤلمة فيما أخطئ و فيما أصاب.
فكان الملتح ضائعا ، تائها فيما تقوله  منبهرا مندهشا مقتنعا بطريقة و بأسلوب حوارها الى أن انصهر و ذاب في جسدها، أين وجد نفسه وذاته المنكسرة في غياهب هذه الحياة البائسة و هذا الواقع المؤلم فترك ما كان يعتقده ويؤمن به بأنه الحقيقة المطلقة ليعدل عن مساره ويعود الى رشده ووعيه تاركا بذلك هذا الانتماء الديني المتطرف و الإرهابي.
المسرحية تدعو الى محاورة هؤلاء المتشددين ورفض الحكم المسبق عليهم والبحث في أسباب اتجاه الشباب إلى التطرّف  والتشدد و اتجاه الفتيات إلى بيع أجسادهن ، و دعوته أيضا الى التصالح مع ذواتنا وأجسادنا حتى نتحرر من القيود والعقد.
تقول الممثلة نادية بوستة التي تؤدي دور ” نرجس ” بائعة الهوى أن نص المسرحية لحسن ميلي و صياغته الجميلة من المخرج غازي الزغباني و انسجام أداء الممثلين جعل من المسرحية “عرضا فنيا محترما” و تضيف بانه أردنا من خلال هذا العمل الفني إيصال “رسائل قوية و موجعة “في نفس الوقت حتى نصدم و نستفيق من سباتنا العميق و يتبين لنا بعض من الخطر الداهم الذي يحوم بِنَا ولا نعلم متى يتملكنا و ينهشنا و يدمرنا.
و توكد الممثلة نادية بوستة أنه لا بد من إيصال صوت المنسيات والمقصود بذلك  بائعات الهوى اللاتي يعانين في صمت داخل جدران مغلقة موصدة و ضرورة إعادة اعتبارهن و إعطائهن وجودا و حيزا من الحرية المسلوبة.
اما محمد قريع والذي كان دوره في المسرحية ذلك الحريف الهارب من زوجته والباحث عن المتعة عند المومس فكان مثالا للرجل التونسي المتناقض أو الفصامي حين يصف زوجته بالكادحة والشريفة والمربية الفاضلة ويصف بائعة الهوى بالعاهرة لكنه في الآن ذاته يبحث عن المتعة في جسدها.
عن المسرحية تحدث  الممثل محمد قريع “هي تعرية للعلاقات وكشف المستور ودعوة الى التواصل و التحاور و البحث في العلاقات الانسانية التي تعتمد أساسا على إصدار الحكم المسبق حيث يجب البحث في أسباب و تداعيات هذين الظاهرتين ” التشدد و البغاء ” حتى نوقف هذا النزيف من العمليات الإرهابية التي استهدفت تونس في السنوات الاخيرة،  لا بد من محاورة هؤلاء المتحولين الى متشددين و إلى براميل متفجرة في أي وقت  والتدقيق في تفاصيل أسباب انتماءاتهم الدينية المتطرفة لو تعمقنا جيدا في ذواتهم سنجدها نقية بالأساس لكي متى        وكيف و أين تحولت الى سواد أعظم ؟
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق