بعيدا عن نظرية المؤامرة.. نحن من نُنتج الإرهاب

ليلى العوني – الأيقونة الثقافية

أصدر المعهد الدّولي للإنماء الإنساني كتابا يحمل عنوان “الإنذار المبكر والتوقي من التطرّف العنيف: تونس أنموذجا” وهو مؤلف جماعي ساهم فيه كل من الدكاترة والأستاذة زهية جويرو، العادل خضر، آمنة الجبلاوي، جلال التليلي، أم الزين بن شيخة، منصف التايب، بوبكر مباركي، ريم الزياني، عبيد خليفي، فؤاد عامري، محمد سويلمي، عبد الرزاق الأندلسي، مختار بن نصر، كريم عمار، علي قيقة وناجي البغوري. هذا الاصدار مبادرة من المعهد لتنفيذ توصيات الإستراتيجية الوطنية لمكافحة التطرف والإرهاب، ويقع في إطار برنامج نساء وشباب من أجل السلام WY4P Women and Youth 4 Peace : 1000 سفير وسفيرة سلام، بالشراكة مع جمعية Helpcode وبدعم من الإتحاد الأوروبي، مفوضية تونس.

يمكن وصف الكتاب بأنه دليل يساهم في تفكيك ظاهرة التطرف العنيف وفي وضع أسس البحث وآليات الإنذار المبكر منه. ويتوجه إلى كل الفاعلين والشركاء في سائر الوزارات والهيئات والجمعيات ذات الإختصاص وقد تم تنظيم حفل تقديم وتوقيع مساء أمس الجمعة 12 فيفري 2021 بقاعة الريو بالعاصمة بحضور ثلة من مؤلفي هذا الكتاب.

“إنما في هذا الكتاب أفكار والأفكار بحاجة إلى أجنحة والمثقف لا يملك صناعة الأجنحة بل يجب على السلطة وأصحاب القرار إمداد الأفكار بالأجنحة لتحويلها إلى مشاريع يستفيد منها الفرد والمجتمع” بهذه الكلمات إستهلت الدكتورة زهية جويرو مديرة معهد تونس للترجمة وإحدى المساهمات في صياغة هذا الإصدار، موضحة أن الحديث عن التوقي الفكري من التطرف العنيف يبدأ من معرفة الأسباب للوقوف على الحلول المناسبة.

الأنترنيت “ساحة حرب حقيقية”

هناك الأسباب الحافّة التي تتنزل في إطار المكان الذي يعيش فيه المواطن منها الأسباب الإجتماعية والإقتصادية والفكرية…وهناك أسباب ذاتية أي ذات المواطن ومكنوناتها وكيفية تفاعلها مع الأسباب الإقتصادية والإجتماعية المذكورة سابقا، فهناك من الذوات من يمتلك قوة مقاومة هذه الأسباب والعوامل ومنع تأثيرها السلبي عليه بينما هناك أخرى لا تمكّن ولا تتمكن من مقاومتها فالتوقي من التطرف العنيف يبدأ من تقوية الذات عبر المؤسسات المحيطة بها.

وأول مؤسسة يجب أن تعاد هيكلتها المؤسسة الدينية اللغوية أو الخطاب الديني في مظهره المادي تحديد المسجد إذ داخل المساجد التونسية حاليا نوعان من الخطاب: الخطاب المتطرف العنيف والخطاب البديل الذي يقي من التطرف العنيف وهو الخطاب الذي يجب إخراجه إخراجا مختزلا بحيث يتقبله السامع ويحتذي به وهنا يدخل دور الدولة فهي من يجب أن تعطي ما يسمى بسلطة الكلام في المساجد لمن يستحق أي وفق شروط معينة كي تضمن الحد الأدنى من سلمية الخطاب وجدواه.

ثاني المؤسسات التعليمية منها، ففي المدرسة يدرّس الأطفال مادة التربية المدنية وهي مادة مهمة جدا إلا أنه يجب إدخال محور “التوقي من التطرف العنيف” ضمن محاورها حتى يُبعث في الأطفال روح التسامح والمرونة وكل القيم المنهضة للتطرف العنيف.

ثالث المؤسسات هو الأنترنيت أو ما يمكن توصيفها بـ”ساحة حرب حقيقية” بين أصحاب الخطاب التطرف العنيف والخطاب المقاوم له إلا أن هذا الأخير لا يجد آذانا صاغية له نظرا لأن الخطاب المتطرف العنيف له أمواله ووسائله ومنصّاته التي تتكلم بإسمه وتدافع عنه دفاعا مستميتا بقوة النفوذ والسلطة الممنوحة له.

الصورة والرصاصة

من جهته، عرّف الأستاذ عادل خضر الإرهاب، في مستهل كلمته، أنه تلطيف لكلمة حرب فالإرهابيون يستخدمون كل الوسائل المتاحة والوسيلة الأكثر تأثيرا على الشباب “الصورة” وقد أثبتت الدراسات كما التجربة أن هناك تضافر عجيب بين الصورة والرصاصة، وقد تم فتح الحدود للإرهابيين سواء تلك الجغرافية أو الإفتراضية بحيث لا رقابة على كل وسائل التواصل الإجتماعي وعلى كل الوسائل السمعية البصرية والإلكترونية وهو ما جعل الإرهاب يستفحل في البلاد. “هنا يكمن الإرهاب ونتسائل من الذي فتح حدودنا لهذه الصور”. هكذا صرح الأستاذ خضر.

كما أوضح أن كل مشارك ومساهم في هذا الكتاب أضاء جانبا معينا من جوانب الإرهاب وهو كتاب يحتاج إلى تكملة في إطار سلسلة من الكتب حتى يستوفى تحليل التطرّف العنيف وتحديد الخطط العلمية الأكاديمية لإستباقه وتوقيه و هو أيضا كتابا “تمهيديا” لعل المهتمين بهذا الشأن أن يجعلوه نبراسا لهم وينتجون أعمالا أعمق وأثرى.مضيفا أن ضريبة المثقف التونسي اليوم هي الكتابة فوق الموت فقد أضحى إسكات صوته وعدم إشراكه في مقاومة الإهارب من أوكد أولويات البعض.. في حين أن الحل الأمني فقط أثبت فشله لحد الآن إذ لا يمكن أن نقاوم الإرهاب إلا بالمثقف والباحث والمفكر الذي يعطينا الحلول العلمية والمنهجية المناسبة لكيفية التوقي من التطرف العنيف بحيث تجتث جذوره قبل حتى أن يظهر.

نحن من ننتج الإرهاب!

فيما ذكر الدكتور عبيد خليفي المختص في الإسلام السياسي والحركات الإرهابية أن تاريخ 12 فيفري 1995 هو تاريخ أول عملية إرهابية في تونس أما بين 1995 و2011 فقد نُظمت أكثر من 4500 عملية إرهابية.

وفي سياق حديثه أكد الخليفي أن “كل من يعتقد أن الإرهاب ظاهرة فهو واهم إنه مشروع مدبر  لكل المنطقة العربية وقد عشّش في تونس.. وبعيدا عن نظرية المؤامرات والأجندات الخارجية، نحن من ننتج الإرهاب!”

ثم فسّر أكثر، الإرهاب يبدأ من رفض الآخر ثم يتم إسقاطه في عمليات تفجيرية في أقرب فرصة سانحة والحركة الإرهابية هي جزء من المشروع الجهادي في المنطقة العربية ويمتلك مخزونا لذلك يتمثل في ثلاث نقاط: مخزون عقائدي وهو “على قارعة الطريق” على حد توصيفه وفي كل الوسائل الإتصالية المتاحة، ثم التنظيمي والمختزل في مفهوم الخلية الإرهابية، أخيرا السلاح وهو موجود في تونس وما تمسكه الدولة لا يمثل سوى 10% من السلاح المتداول في البلاد وبإختزال شديد كلما ضعفت الدولة يصحو المشروع الإرهابي.

إنّ هذا العمل الذي قام به مجموعة من الباحثين في إختصاص الحضارة العربية الإسلامية والفلسفة وعلم الإجتماع وعلم النفس وغيرها من العلوم الإنسانية من شأنه أن يفكّك ظاهرة الإرهاب ويقدم قراءة تمكّن من مكافحته بنجاعة. وتحتاج منطقتنا اليوم إلى سياسات ثقافية وتربوية مغايرة مع خطاب ديني مُجدّد وذلك لطرح خطاب بديل لخطاب التطرّف العنيف. ولا بد لمخرجات هذه الدّراسات أن تُترجم إلى خطابات مبسطة عبر فيديوهات قصيرة وغيرها من أدوات التواصل التي يتمّ نشرها بشكل واسع عبر وسائل التواصل الإجتماعي.