Type to search

أدب وإصدارات الرئيسية

فلسطين بعيون تونسية: “ولي خطوات في فلسطين”

شارك

عمر السعيدي – الأيقونة الثقافية

 يدخل كتاب “ولي خطوات في فلسطين” للكاتبة نجاة البكري في جنس الرواية السير ذاتية والذي كان لنا شرف تقديمه بنادي مؤانسات يوم 12 جانفي  2022  يتحدد زمنيا بين 1994  و2005. وهي فترة   تغطي تقريبا زمن تواجد الكاتبة بفلسطين المحتلة كزوجة لأحد رجال منظمة التحرير الفلسطينية  التي أقامت بتونس .وخصوصا الضفة الغربية، أريحا، نابلس، وراملة والقرى والمخيمات التابعة لها  وقطاع غزة  هذا الشريط الساحلي  الموجود بالجنوب الغربي لفلسطين والمحاصر بثلاث بوابات إسرائيلية والمتاخم لشبه جزيرة سيناء وشبه المغلق والضاغط على أكثر من مليون ونصف فلسطيني.

 العنوان وإحالته على المكان أي فلسطين

 جاء العنوان في شكل جملة استئنافية  اسمية . الواو  حرف استئناف . ولي مركب جرّ  خبر مقدم لمبتدأ  نكرة مؤخر  “خطوات ”  يتبعه  مركب جر  وظيفته  ظرف مكان . وظرف المكان كما نعلم نستطيع أن نغير موقعه في الجملة  ولا يتغير المعنى . لكن أن يأتي في آخر الجملة  فله دلالة إيقاعية من ناحية كما نحسّها   و دلالة  أخرى استدلالية  توجه القارئ  نحو  فهم خاص  . أي  فلسطين كفضاء وتاريخ تدور فيه الأحداث وتُردُّ إليه  كل  المحتويات والأفكار والقرارات والمعاينات  والمعايشات الواردة  في الكتاب  .

الجزء والكل والثابت والمتحول في الكتاب .

 عندما  تقول الكاتبة  “ولي خطوات في فلسطين “، نفهم  أن الخطوات هي إقامة وحركات قد لا تكون قارة في فلسطين ولكن  ثبتت  وتحققت  بهذا الإعتراف والتأكيد من الكاتبة  على أنها عاشت في هذه البقعة من الأرض . ولئن  أشرنا من قبل  إلى الضفة الغربية وقطاع غزة  كمنطقتين عاشت فيهما الكاتبة ما يقارب عشرين سنة وعبرت عنهما بشطري الوطن  فإن  تأكيدها على فلسطين كوطن  كامل ممتد فيه إلحاح على أن الجزء لا يمكن أن ينسينا المطالبة بالكل  وإن رأينا النصر بعين الحبيب والفلسطيني في المستقبل البعيد. كما نفهم أيضا من هذه الخطوات أبعد من معناها اللصيق  فهي الحركة وهي الحياة وهي الوجود وهي العيش وهي الإقامة وهي التعرف على الجغرافيا والناس والعدوّ ومعاينة الواقع بالتجربة . غير أن هذه الخطوات ليست نهائية وليست كل الخطوات وإنما هي جزء  من الحركة  والتاريخ والعمل والإقامة .ذلك أن الخطوات في معناها العام هي حياة نجاة  البكري ودرجها في المكان  الذي هو  تونس وفلسطين .  تونس مسقط الرأس  الأصلي الثابت. وفلسطين هي الموطن  الطارئ والمكان الجديد  ودار الٌإقامة  المكتسب بفعل علاقة  الزواج التي تربطها  بفلسطيني  من نابلس. فعلاقة فلسطين بتونس هي علاقة الجزء بالكل والفرع بالأصل وقد تصير فلسطين كلا واصلا إذا ما خيرت نجاه البكري أن تقيم نهائيا هناك.

كيف كتبت نجاة البكري كتابها هذا وما علاقتها بفلسطين الضفة والقطاع؟

هنالك  المشترك بيننا  كعرب وبين فلسطين وهو علاقة الإنتماء إلى وطن واحد  ودين واحد  في الغالب  وعلاقة تضامن  مع هذا الشعب المحتل   الذي هُجّر وأطرد من أرضه  لصالح  شعب آخر  جُمّع من أنحاء العالم  لاعلاقة له  بفلسطين  إلا من خلال  الأساطير اليهودية التي ظهر من يفندها الآن  ( باحث عراقي  الربيعي )  والذي يرد  اليهود  باعتماد التاريخ والجغرافيا  والحفريات  واللغة  إلى اليمن  بدياناتهم  وأراضيهم ومساكنهم   وتجمعاتهم  وأبنائهم  وأنبيائهم وهيكلهم . و علاقتنا  بفلسطين أيضا علاقة بمكان مقدس  ( بيت المقدس  والمسجد الأقصى) شأنه شأن مكة والمدينة المنورة  وقد ولد بها أنبياء وهاجر إليها أنبياء . ولكن لنجاة البكري الكاتبة علاقة أخرى غير هاتين . فهي الزوجة التونسية  لفلسطيني  . أوجبت عليها هذه الزيجة  أن تلتحق بزوجها في غزة  والضفة الغربية  عقب اتفاق أوسلو  بين الفلسطينيين والإسرائيليين  وكان موطئ قدم  لعديد الفلسطينيين   للعودة إلى  بعض الوطن  في إطار  حلم بناء الدولة الفتية وتحقيق الاستقلال على أرضي 1967  المحتلّة  وعاصمتها القدس .

 نجاة البكري والعيش في فلسطين

كانت هذه الزيجة أي زوجة فلسطيني قد منحتها صفة مواطنة فلسطينية اشتغلت في أكثر من موقع ( مدرسة فرنسية  في المركز الثقافي الفرنسي ،  مترجمة في منظمة أطباء بلا حدود  إعلامية أو صحفية في بعض الجرائد الفلسطينية ،  باحثة في  مجال الثقافة والتراث  الفلسطيني  موظّفة تابعة لدائرة منظمّة التحرير الفلسطينية  في مجالات عدة (  التوثيق، الإحصاء، التوعية، الإرشاد،، التثقيف ). وقد مكنتها جملة  هذه الوظائف التي شغلتها   أن تهتم  بحياة المجتمع الفلسطيني  في المدن والقرى والمخيمات وتطلع على أوضاع الناس الإجتماعية والإقتصادية والنفسية والتعليمية والصحية والمعيشية وتعاين نقاط التماس بين السكان وسلطات الإحتلال  على حدود المدن وفي المعابر  ونقاط المراقبة والتفتيش   وتكون شاهدة على أوقات  الصدام والإغلاق والعنف والتعذيب والقتل  والمداهمات والاغتيالات والخوف والظلم  الخبز اليومي للفلسطينين خاصة إبان العمليات الاستشهادية والانتفاضة الشعبية سنة 2022  وعمليات الإغلاق والمداهمة والعقاب الجماعي والسجن وتعيش ما عاشه الفلسطينيون من أيام الجمر وسنوات الجمر .

البنية الذهنية للفلسطيني

لعل من بين  أفضل أبواب الكتاب  زيادة على الإعلام السياسي  ونقل حركات نضال الفلسطينيين  ضد المحتل الإسرائيلي وهذا توثقه  الكتب وتبثه القنوات ويكتبه الإعلاميون و يعلنه  الساسة  وتبثه وسائل الإعلام   نجد ما يتعلق بالجانب البحثي  أو التحقيق المتعلق ببناء الذهنية الفلسطينية ومعاينة الوعي هناك  والتعريف بواقع المرأة  ومعاناتها والتعرض إلى شبكة العلاقات  داخل نسيج المجتمع التي لم تتطور وبقيت  وفية إلى الرؤية الفقهية القديمة  وإلى ما ثبت  من قيم  منذ العهد  العثماني مرورا بالانتداب البريطاني فالاحتلال الإسرائيلي.  فالمجتمع الأهلي هو من  يحكم ويحاكم الواقع ويقاضي  من خلال رموزه المختلفة (  العائلات الأرستقراطية ، الأغنياء ، شيوخ البلد ، الأحزاب الفاعلة   و أجنحتها  العسكرية إلى غير ذلك . وهذا مهم لكل قارئ .

الفلسطيني وضيق الأمكنة 

 ركّزت الكاتبة في كتابها هذا  على المكان خاصة لما يعنيه عندنا وعند الفلسطينيين والعرب بل والعالم . والمكان هنا متمثلا  في المدن الفلسطينية  بالضفة الغربية وقطاع غزة ضيق  أكله واستحوذ عليه الإسرائيلي وضمته المستوطنات  وعزلته الطرق الالتفافية وأفسدته الجرافات وشوشت عليه نقاط التفتيش وسلخته وكتمت أنفاسه  أبراج المراقبة وثكنات جيش الاحتلال . حتى صارت  المدن  مجرد تجمعات سكانية كبيرة أو صغيرة بلا لواحق أو إنفتاح على الطبيعة  أو على مجال جغرافي أوسع لأن إسرائيل  هي التي تتحكم  في كل المجال حتى الذي أعطي للفلسطينيين  وهي التي تملك الماء والهواء  والكهرباء  والطريق  والقرار  . فالفلسطيني  في المخيمات  ممنوع من توسعة منزله والمنازل ضيقة متلاصقة  كعلب السردين  والبناء عمودي  يمنع خصوصية الإنسان  وما ينتج عنه من تكدس السكان وتوتر الساكنين والسعي إلى مغادرة  هذه العلب للتنفس بعيدا عن المخيم  الضاغط على الأنفاس أقسام الكتاب.  

ويمكن للقارئ أن يستخرج من الكتاب الأقسام التالية:

•  قسم يتعلق بدراسة المكان متمثلا في المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية  ونقاط التفتيش  والمراقبة.

•  قسم يتعلق بالسياسة وعلاقة المجتمع الفلسطيني بإسرائيل وعلاقة الفلسطينيين بالسلطة الفلسطينية.

• قسم يبحث في الثقافة الفلسطينية  والعادات والتقاليد ومستوى التحضر   وموقع المرأة  في المجتمع  وإنعدام سلطتها وضعف حقوقها  وبنية المجتمع الذهنية وكيفية  إدارة  شؤونه.

•  قسم يتعلق  بالسلطة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية  ومراحل التصادم والتصالح والحوار والصمت والمواجهة والحصار .

• وقسم أخير يتمثل في ما هو ذاتي لدى الكاتبة ويمثل  شوق وحنين  نجاة  البكري كتونسية مغتربة  عن بلادها وعائلتها ومراتع صباها وزملائها في الدراسة والتعليم في تونس  ولحظات أفراحها . ولعل في الكتاب  فصولا أخرى لم نتفطن إليها

 أسئلة مهمة .

وفي النهاية يمكن أن نطرح الأسئلة التالية:

ما جنس هذا الكتاب ؟ هل هو رواية سيرة ذاتية ؟ أم  مذكرات ؟ أم شهادة في المكان والزمان عن المجتمع الفلسطيني من كاتبة  تونسية  أقامت لمدة عشرين سنة هناك؟

هل هو مجرد  بحث ومعاينة لواقع الفلسطيني وتاريخه ومكانه ضمن جغرافية فلسطين على الأٌقل في المناطق التي عاشت بها؟

هل فيه  من أدب  الرحلة الشيء الكثير  أو القليل  (  سيرة  الرحالة ، جغرافيا المكان، علم الأجناس، وثقافة المجتمعات،    ونظم السلطة والإدارة والإقتصاد ومعاناة الرحالة، أهوال الرحلة ؟.

الوصوف

أترك تعليق

Your email address will not be published. Required fields are marked *