الرئيسية

جموح..

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

حنين – الأيقونة

تنشر الأيقونة في ركن “إبداع وفكر حرّ” الإبداعات الأدبيّة لشباب ذوي أقلام مميّزة في مجال القصّة القصيرة والشعر وكافّة الأجناس..

 

سحب السيجارة الأخيرة من جوف العلبة البيضاء و ألقاها أرضا بحركة تلقائية، نظر إليها وقد توسدت كيسا بلاستيكيا أسودا كان يعانق الاسفلت وحيدا، بدت الصورة مضحكة وتخيل لوهلة أنهما ورغم تناقض الشكل واللون والمادة بينهما إلاّ أن تناغما غريبا يجمعهما وكأنهما التقيا ليؤنس أحدهما الآخر، وانتهى به الظللُ إلى حديث في بهجة اللقاء يبدؤه الكيس الراقص مهللا بالزائرة وهاشا لمقدمها السعيد وتكمله العلبة المنكسرة في استحياء تشكر له جميل ترحابه وتسأله فيمَ كان حزنه..

لكنه لا يردُّ إنما يظل مُغاليا في مدحه لصفاء لونها ورونق الحروف المرسومة على جنباتها، مُطيلا التحديق في ثناياها حتى يبلغ بها الخجل منتهى الصمت، فتلقي ببصرها نحوه صاغرة لحلو الكلام وشاكرة في ابتسامة خفية صاحبها الذي اختار أن يرميها بين أحضان شاعر.. أكمل سيجارته متضاحكا لما آل عليه المشهد في النهاية، و قرر أن يختار لتلك السيجارة المتبقية مجلسا بين سجائر أخرى حتى لا يتركه ضالا بين الأرصفة.. ورغم جنون الفكرة وغرابة البحث بين الركام عن قبيلة سجائرية المعشر إلا أنه جدّ في تنقيبه حتى أرشده الدرب إلى زاوية مظلمة تحت كرسي خشبي يتوسط الحديقة العمومية فأنزل العقب المحترق بتؤدة وأسكنه قرب أشقائه وهو يتمتم الوصايا ويتوعد العقاب لمن لا يطيعه..

اختار تغيير كل خططه لذلك اليوم، و ارتأى أن اللحظة مؤاتية لكل ضروب الخبل.. فقد بدأ صباحه كأغرب ما تكون الصباحات، وانحرفت أفكاره عن كل دروب العقل، فانصرفت عن التقيد بلوائح الاتزان والوقار، وجاهرت بالعصيان.. كان أول التمرد إغلاق الهاتف الشيطاني ذاك الذي لا يتركه يهنأ بأي لحظة جلاء نفسي.. تأكد من همود الجهاز اللعين ومن ثمة دفنه في جيب بنطاله، اطمأن لتلك السكينة التي سرت كنسيم بين خلاياه.. تسربت إلى فمه شبه قهقهة وهو يتخيل نوبة الغضب التي ستغمر رئيسه عندما يتصل به فلا يلقى من مُجيب إلا ذلك الصوت الآلي المُستفز يردد في نبرة ساخرة أن رقم مخاطبه ليس في وضع آستخدام حاليا.. ولم يقدر لضحكته الصاخبة ردعا، فعَلتْ زهزقة وسط الجموع الراكضة في كل الآتجاهات.. وعندما أدرك ثباته كان قد توقف أمام واجهة بلورية عكست شبح رجل يشبهه خلقة و يُخالفه الرؤيا..

تفحص ملامحه المنتشرة في فوضى جميلة، بدا كغريب، رأى في الجهة المقابلة من الشارع أحدا يشبهه.. كان ذاك العديل يرتدي ثيابه في ترتيب مزعج، أنيقا في آستقامة ثقيلة، يوحي لناظره بانه يمتلك تلك الصفات العجيبة لرجل سويّ الخُلق، مؤدب القول، رشيق الحرف.. رجل علت منزلته وسمت عزته.. رجل روتيني الوقع، سليل الملل وقريب السأم.. لم يعجبه التطلع أكثر فأدبر عن مثيله كارها تلك الهيئة، وأزمع على الجموح غير مذعن لصواب التعقل في مثل هذا العزم على التحوّل إلى غير طبع والتعلق بغير حياة.. استعاد خطوه الحثيث نحو وجهته المجهولة.. عازما على التمادي في انتفاضته.. مُقرا في أعماق روحه البحث عن تلك السعادة التي ألِفها الكيس البلاستيكي الأسود عندما ألقى بين جنباته تلك العلبة الكرتونية البيضاء.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق