“سكون” في حضرة الذات- الرفض

راضية عوني – الأيقونة الثقافية

شُبهت الحياة بطم طميمها “بقطار” يعبر بنا نحو عالم آخر (الجنة والنار) أو العدم ..الفناء ..اللاشيء  ، كل على هواه يصف ما بعد الموت إلا أن الاتفاق قائم أو كاد على تشبيه رحلة الحياة في “قطار” بالذات دون غيره، تلك الرحلة الشاقة على البعض وسهلة سلسة على آخرين. وفي مسرحية “سكون” لنعمان حمدة ننتظر معه قطاره كما انتظار غودو..وإلى حين وصوله رحلة بحث في ذاته الهائمة  وأحلامه وأعمق مخاوفه.. العرض كان أيام الجمعة والسبت والأحد من الأسبوع المنقضي بقاعة الفن الرابع ومُهدى إلى روح تقني الصوت بالمسرح الوطني سليم العسكري الذي غادرنا مؤخرا على حين غرة.

النص في مسرحية “سكون” مشترك بين نعمان حمدة وليليا الأطرش وعلى الرغم من أن الجمع بين الكتابة والتمثيل والاخراج عند البعض تجربة فاشلة جدا، إلا أن نعمان حمدة في هذا العمل لعب على “أكثر من حبل” كما يقول المثل وأجاد، فالنص مترع شاعرية أحدث ما يمكن وصفه بزعزعة إحساس من المرارة، أما الأداء بين الممثلين ففيه الكثير من الانسجام مع ترجيح الكفة لحمدة نظرا لتجربته الثرية على الركح. ليكون بالمحصلة الاخراج، صورا وفرضيات منسجمة مع فوضى الاحساس لدى الشخصية الرئيسية التي عشنا معاها تفاصيل حياة شخص فاقد لكل مقومات الحياة.

الموضوع le sujet  في هذه المسرحية نعمان حمدة هو البدء والمنتهى هو صاحب الحلّ والترحال يبحث عن ذاته، عن أن يكون فلا يعرف كيف، وليحقق ذاته ابتكر شخصية أخرى خرجت من مرآته كي يهتدي بها، لا أسماء للشخصيتين يتحاوران في اللامكان واللازمان، إحداهما تجرّ الأخرى كي ترى بأكثر وضوح إعتمادا على شذرات من الذكريات، مجرد ذكريات من ماض تعيس. لذلك لنتفق افتراضا أنهما( ذات 1) و (ذات 2)

متشرذم ذاك الحوار فنجد سؤالا حائرا يبحث عن إجابة من ذات 1 فتجيء على لسان أميرة درويش أو ذات2 لتزيد من ظمئ السؤال ومن الحيرة والبحث بل وتبعث تلك الاجابة نفسها حالة من الريبة والهلوسات السمعية البصرية،  حالة من الهذيان عشنا تفاصيله زهاء الساعة، وما اعتماد تقنية voix off   إلا اختيار ذكي من المخرج حتى نسمع الصوت الداخلي للشخصية وما يعتملها من تخبطات وفضفضة وتشنج ..هذا إلى جانب بعض الاكسسوارات التي خدمت فحوى العرض من ذلك تقنية التسجيل لما يقول كي يفهم معناه أو الميكروفون كأننا أمام خطيب بارع أو مغني جاز كل هذا جعل للمسرحية بعضا من الفرادة وجدة الطرح الفني.

كل ذلك وأكثر فهمنا أنه يحوم في عقل الشخصية المموّه الذي استعمرته ذكريات مشوشة ، مباغتة ومخاتلة لنعود معها إلى الطفولة.

الماضي المــــــلاذ

لا يمكن أن نعود بطريقة مرضية نحو الطفولة- المهد أو ما يصطلح عليه سيكولوجيا بـrefoulement   إلا كي لا نعيش الحاضر ننفيه تماما إذا لزم الأمر وطفولة ذات 1 مشوهة أساسا لكنه على الأقل اعترف بها هو من كان يغار من أحد أترابه وتمنى موته فتحققت الأمنية على حد إدعائه تحثه ذات 2 على مزيد من الاعترافات ومن التعرية لذاته التي يحاول جاهدا تنميقها لكن ما في البئر ليس ماء..ألسنا ندّعي السعادة المطلقة على صفحات التواصل الاجتماعي..ألسنا نعاني من حالات من الفصام المروعة عبرها حتى تحولت الأحاسيس إلى تعبيرات معدة مسبقا بوجوه صفراء ..أليس “الانسان الكوني” سلاحه التواصل عبر العالم كي يحقق ذاته المسلوبة منه أصلا

الحيوان فينــــا

يتصاعد النسق الدرامي في مسرحية “سكون” كي نعرف ذات 1 أكثر فأكثر حين يتحول إلى كلب فيصف ذلك الشعور الغريزي في البحث عن الحياة عبر مجرد تحقيق الاكتفاء الغذائي أو ببساطة الهروب من انسانيته، هنا تتدخل ذات 2 كي تبرر جوع الغرائز ووحشة الوحدة ..عن سطوة الجسد وأحكامه تبرر ذات 2 معنى الوجود في جسد من لحم ودم لينقلب النسق الدرامي مرة أخرى

مانيفستو الأنــــــا

تشتعل على الركح الأنوار الكاشفة بعدما كان أغلب العرض بضوء خافت لا نكاد نرى فيها الشخصيات، ثم نرى ذات 1 ببوق ينادي فيما يشبه المظاهرة الفردية “أرفض..أرفض..واقعك موش أنا..أنا حكايتي خير..أهم ..أشب ..انت صحراء خلاء ..أنا سكون معلق في الكون”. لتنقلب الموازين فتصبح ذات 2 محل اتهام واستجواب ومحاكمة للجسد وكل مادي، نفعي، سلطوي متعفنا بواقع يحكمه منطق السوق وسلعنة الذات في كينونتها..واقع يعاني من – وهذا ورد في نص المسرحية- التضخم والميزانية والمحاسبة- المحاصصة …في محاولة اسقاط الواقع التونسي واللغط الحاصل على المستوى السياسي الاقتصادي وحالة التصدع القصوى.

في الانقلاب الثاني من هذا العرض يصل بنا المخرج إلى جدلية الجسد والروح مع مرافقة صوت القطار وهو يعبر المحطة تلك الجدلية المتحكمة بكل ذات فلا يمكن لأي منهما الغلبة على حساب الآخر لأنه قد توجد منطقة وسطى.