الرئيسية

على كفّ الوجع..

حنين – الأيقونة

” ضعيه على حجر الأمومة المُحبّ، وتمدّدي حذو الجسم المنهك.. عانقيه بحنوٍّ وترفّقي بجرحه الجائش، لا تلمسيه.. أطعميه من يديك بعض الشفقة وانثري ابتساماتك العطوف على الشقّ المفتوح علّه يلتئم سريعا.. اغسلي عنه الدّم و طهّريه من إثم المعاناة.. عدّلي إيقاع النبض الفاتر و أعيدي توازن الدقات..

كوني ملاذه العطوف و لو للحظات.. دعيك من الخوف الذي عشّش غرابا في وجدانك.. وأنفضي عن رأسك غبار الريبة، فهو وإن ظننتِ به القوة والجلد في ماضي تخمينك، هاهو الآن بين يديك خائر الصحة، مهزول الروح وسقيم القوى.. تسمعين أنات عجزه وتشهدين قصاص الأيام الجائرة منه.. ها أنت وحدك معه وقد كان يرافقه منذ زمن غير بعيد جيش من المتملقين يتراقصون حوله رقص الهنود حول الغنيمة، وكنت وحدك تراقبينه، بعيدة جدا عن عالم المصانعة الذي غرق فيه.. وكنتِ ترقبين نظرات المكر تحيط به من كل جهات الضلال، عيون حسدٍ ترتدي نظارات ملونة باهظة، تُخفي دناءة مشاعر ملوثة بالحقد .. وكان لا يراك أبدا و لا يحس لك وجودا.. تمتشق ذراعه تلك الفاتنة تغريه بالعشق الغارق في اللذة وتدعوه إلى المجون في خلاعة.. يأخذه الطيش إلى أقاصي العبث فلا يحفل إلا بأهوائه ولا يرى إلا ما يصوره له غباؤه أسبابَ سعادة أبدية.. تبسّمي له في دعة مع رفرفة جفنيه الثقيلين، طمئنيه بكلمات ود مُطعّمة بالحنوّ والرقة..

أخبريه أنه في مأمن من كل شر مادام معك و امسحي عن وجهه المُتعرق كل أثر للفزع.. توزعي على جسده المنهك لمسات رفق ولين.. امشي الهوينى فوق تضاريسه المتقلبة، تمهلي الخطو لا تدوسي مستقرَّ أوجاعه المتفرقة على جلده العطر.. هدّئي أنفاسه المتسارعةبقبلات شغوفة، وامتصّي رضاب الشفاه العسلية.. تمكّني منه بلثمة واحدة فأنت لا تملكين من فتوره إلا لحظات، بعدها سيستعيد نفسه المتغطرسة فتأخذه مجددا إلى الضفة الأخرى من العجرفة والصلف.. ألقي على قلبه تعويذة في الحب لا تُكسر و آهنئي به كما حلمت عاشقا لك في جهر الهوى لا معشوقا بصمت الخجل المُضني.. تقدّمي نحوه سريعا قبل أن يفتكّه منك أحد .. ”

همّت بنزع ردائها الأبيض واللحاق بذاك المُلقى أمام محل المرطبات الذي تعمل به، و لكنّ أشيبا سبقها إليه ثم التحق في مؤازرته شاب عشريني.. ساعداه على الوقوف و أخذا في محاولة إيقاظه رشا بالماء و صفعا باليد.. إلى أن آستعاد وعيه فبدآ في سؤاله وتأنيبه وهو في إصغاءٍ أبله لا تيقظ فيه و لا إدراك.. كانت تشهد كل ذلك بفؤاد مُحطم وهي تمنع رجليها المتلهفتين للركض صوبه عن التحرك من مكانهما.. أركباه سيارته وآتصلا عبر هاتفه بأحدهم يأتيه.. و مرت الدقائق ساخرة من جزعها، تزدري ترددها و تستخف بضعفها.. و بين تأنيب قلبها وتوبيخ عقلها ظلت تائهة الوجدان، حتى جاءه ذاك القريب بملامح القلق تعلو وجهه، يتفقده في ذعر شاكرا للرجلين عونهما ثم مُعملا مفتاحه في السيارة التي غادرتهم مستعجلة الرحيل، غير عابئة بالفتاة النائحة في إطراق خلف الزجاج.. رحل حبيبها الغريب دون أن تبلغ منه أمنيتها العزيزة في الآقتراب منه، سافر إلى دنياه النائية عن فقرها وبساطتها.. تركها و لا عودة، لمن يرجع وهو لا يعرفها ؟؟ ..

فارقها الحلم الآسر بكل حلوه وطيبه.. هجرها الأمل في عودته إليها.. فبكت خيبتها واتّكأت على كف الوجع.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق