الرئيسيةحقوق الإنسان

في مرناق وحمام الأنف: عندما تقود القيادة التغييرية المحلية بالثقافة إلى التتويجات  

أنجز هذا المقال في اطار برنامج تمكين المرأة لأدوار الريادة في مجال الاعلام بالشراكة مع منتدى الفيدرايات الكندي والمركز الإفريقي لتدريب الصحفيين والاتصاليين

 سامية بن طالب النوري- الأيقونة الثقافية

في معتمدية مرناق من ولاية بن عروس المعروفة بإنتاج العنب وما تكابده النساء من تعب في تثقيف أوراق الثمار وتقليم الأغصان حتى تنضج وتكون حلوة المذاق،يشارك الأطفال والشباب في هذا المحفل، إن مساعدة متواصلة أو موسميا.وفي الفضاء الجغرافي نفسه، اختارت مجموعة أخرى من النساء التغيير بالثقافة وفي الثقافة وحولها لينتقل عدد منهم من جني العنب إلى جني الجوائز على المستويات المحلية والجهوية والوطنية.

وفي معتمدية حمام الانف التي اشتهرت بعيون المياه المعدنية النابعة من جبل بوقرنين شفاء للعليل، جعلت هؤلاء النسوة من الثقافة شفاء للنفوس وتهذيبا للذوق ووقاية من المخاطر والانحرافات التي تحفّ بالأطفال والشباب.

مشهد ثقافي تميز في السنوات الأخيرة بنشاط رائدات جعلن التغيير هدفا لهنّ من خلال تشبيك العمل التربوي والثقافي والولوج بالفنون والآداب إلى المناطق النائية واكتشاف مواهب الناشئة وصقلها والخروج بها من المحلية لتجنح وطنيا.

هاجس هؤلاء النساء مشترك وهو التغيير استنادا للثقافة وبالثقافة. فهل حققن التغيير المنشود أو أنّهن في مسارات التغيير الثقافي؟.

عينة من الخصائص الديمغرافية والتربوية وظروف عيش السكان الواردة في وثيقة بن عروس من خلال التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2014 ووثيقة ولاية بن عروس في أرقام سنة 2014، تحيلنا إلى جانب من المشهد الذي يدفع أو أنه يعيق التغيير في المشهد الثقافي في معتمديتي  مرناق وحمام الأنف.

التغيير والصعوبات وجها لوجه

تحتل مرناق 45 % من مساحة الولاية وتتضمن أكبر عدد من المدارس الابتدائية في الولاية وهي تسع وعشرون إلى جانب ست بين مدراس إعدادية ومعاهد ثانوية، في حين يبلغ عدد المؤسسات الثقافية ثلاث مكتبات عمومية وداري ثقافة. وتضم معتمدية حمام الأنف من جهتها ثماني مدارس ابتدائية وست مدراس إعدادية ومعاهد ثانوية ومركب ثقافي ومكتبتين عموميتين ومعهد عمومي للموسيقى والرقص. تمثل نسبة الأمية للشريحة العمرية عشر سنوات فما فوق في مرناق  18.83% وهي الأعلى في الولاية مقابل 10.13% في حمام الأنف.

وإذا ما دققنا الإحصاءات أكثر لنقف على البيئة الحاضنة لمحاولات التغيير الذي تسعى هؤلاء النسوة تحقيقه، نجد أن ولاية بن عروس هي من ضمن الولايات الأكثر تضررا من الانقطاع الدراسي ، خاصة ضمن الفئة العمرية 11-16 سنة حسب تقرير صادر عن وزارة التربية سنة 2016.كما تمثل المسافة “أكثر من 2 كلم” التي تفصل المسكن عن أقرب منشأة شبابية الأكثر ارتفاعا في مرناق بنسبة 37.23 % مقارنة ببقية المعتمديات في الجهة.

ويتفشى الفقر في الولاية،  خاصة في المناطق الريفية وتنعدم تقريبا، أبسط الضروريات للأطفال والشباب، زد على ذلك عدد ساعات الدراسة التي تترواح بين 20 ساعة و33.5 ساعة أسبوعيا في الابتدائي وبين 27.5ساعة و33.5 ساعة في الإعدادي، وهو ما قد يحول دون إمكانية ممارسة الأنشطة الثقافية…

وفي الجانب المقابل تلوح صعوبات أخرى تتعلق بالبنية الأساسية والتجهيزات والميزانيات. إذ تشكو المؤسسات التربوية من عدم تخصيص ميزانية للنوادي الثقافية ونقصها بالنسبة إلى المؤسسات الثقافية ومحدودية التجهيزات الضرورية لتنفيذ البرامج والإقبال على الأنشطة الثقافية وارتياد المؤسسات الثقافية حتى أنّ المكتبات العمومية تحولت في الغالب إلى قاعات للمراجعة أكثر منها للمطالعة.

مسارات التغيير المحلي

في هذه البيئة، اختارت جهاد الجاني وغيرها العمل على التغيير، تجاوزا للعقبات وتأطير الأطفال والشباب وصقل مواهبهم من خلال نشاط النوادي وتشريك الروّاد في المسابقات الأدبية والفنية الوطنية وتحفيز التلاميذ على الممارسة الثقافية وترغيب التلاميذ في المطالعة وتعويدهم على ارتياد المؤسسات الثقافية وتنمية مواهبهم هي مشاريع جمعها هدف واحد تقريب الثقافة من الأطفال والشباب والترحال بها أينما كانوا وإرساء شراكة فعلية بين القطاعين التربوي والثقافي. برنامج طموح من ناحية وإمكانيات شبه منعدمة من ناحية أخرى. معادلة معضلة لم تثني جهاد عن الانطلاق في مسار التغيير.

نقطة البداية كانت قاعة الدرس ومادة القراءة، حيث عملت أستاذة العربية والشاعرة والكاتبة جهاد الجاني، على تقاسم تجربتها في كتابة الشعر والسيناريو والمسرح مع تلاميذها.” كانت الدروس وخاصة منها القراءة تحوّل إلى مسرحيات وإلقاء وموسيقى ورسم وحتى النحت…فحققت بذلك هدفين في هدف. الأول إقبال التلاميذ على الدرس والثاني  الاستمتاع بمنهج بيداغوجي مختلف، علاوة على الاستفادة لمواصلة التجربة خارج القسم وفي نوادي المؤسسات التربوية والثقافية”. هكذا تحدثت عن  البدايات لترغيب التلاميذ واكتشاف مواهبهم.

“وساعدني اختياري عضوة قارة في خلية التفكير في النشاط الثقافي واحتكاكي بفئة الأطفال والشباب على إيجاد الحلول والفرص لتغيير واقع الشباب ومعرفة ميولاتهم ومواهبهم وطموحاتهم وتغيير ذواتهم إلى  الأفضل. زد على ذلك انطلاق نشاط دار الثقافة بمرناق بعد إعادة بنائها وتجهيزها وتكوين إحدى عشر ناد ثقافي تستجيب لرغبات الرواد وتعبيراتهم الإبداعية وتفاعل مدير الدار السيد حمزة اينويل في لخلق روح ثقافية جديدة”. هكذا انطلقت جهاد الجاني في تجربتها موظفة فضاء يعد فضاءها مع تلاميذها في القسم وإمكانية ولوجها فضاء تفكير فيهم ولهم. نسيت جهاد أو أنها غضت الطرف، بفضل النتائج الإيجابية، عن الإحباط الذي ينتابها أحيانا بسبب انعدام الإمكانيات وعدم تخصيص ميزانية للتكفل بمصاريف نشاط التلاميذ حتى عند التنقل للمشاركة في التظاهرات والمباريات الثقافية إلى جانب ظروفهم المادية المحدودة مما يضطر المربين والمنشطين المتطوعين إلى التكفل بتغطية المصاريف…”.

مسار آخر للتغيير اعتمدته نعيمة الخياري، أمينة المكتبة العمومية بحي الرياض بمرناق. اعتمدت التواصل والحوار والتعرف على ميولات الروّاد الإبداعية واكتشاف مواهبهم المغمورة التي تجهلها حتى العائلة وإعداد قاعدة بيانات بشأنهم. نعيمة حرصت أيضا، كل الحرص على جعل المكتبة فضاء أنيقا جلب إليه الرواد رغم بساطة الإمكانيات وخاصة فئة التلاميذ الذين كانوا يأتون أساسا للمراجعة وأحيانا لاستعارة بعض الكتب.

لم تدع هذا الإقبال “التقليدي” يمر دون  دعوة التلاميذ للمشاركة في مختلف البرامج والتظاهرات  التي تنظمها المكتبة وتأثيثها بإنتاجهم الأدبي والفني وتحفيزهم على تقديمها. واظبوا على الحضور، بفضل إصرارها ترغيبا لا ترهيبا،  وأصبحت المطالعة ديدنهم لا يفارقهم الكتاب. بالتوازي مع ذلك، جعلت فريق المكتبة يحرص على التعريف بالإصدارات واقتراحها على الرواد. وكانت النتيجة الإقدام على المشاركة في مختلف المسابقات التي تعنى بالكتاب والمطالعة والآداب. ولم تغلق المكتبة على روادها، بل خرجت بها إلى تلاميذ في المناطق الريفية التي تحول المسافة والظروف المادية دون تنقلهم للمكتبة.نسّقت نعيمة مع الإدارة والمؤسسة التربوية، وتنقلت إليهم وقربت الكتاب منهم.

ولم تعترف منيرة مصباحي بالتوقيت الإداري أو أنها جعلت منه عائقا. استأنست بتجربة سابقة، فاختارت مسارا مشابها لتنشيط نوادي دار الثقافة بيرم التونسي بالخليدية الثمانية، وهو التفاعل مع الرواد والاستماع لرغباتهم ومقترحاتهم والقرب منهم. فسحت المجال للمواهب للتعبير عن قدراتهم الإبداعية وفتح الدار دون اعتبار للتوقيت الإداري حتى يعبروا ويمارسوا هواياتهم في أريحية. اختارت التدريب خارج جدران الدار وفي أكثر من فضاء حتى لا يشعروا بالملل وخاصة نشاط نادي المسرح الذي يشرف عليه الأستاذ محرز المشري الذي لم يتوقف بالرغم من إغلاق قاعة العروض للصيانة. ولم تنس منيرة بدورها، أطفال المناطق الريفية النائية والوعرة وشبابها، فأمضت اتفاقيات شراكة مع جل المؤسسات التربوية وحملت الثقافة في حلّها وترحالها. أنشطة ثقافية متنوعة على مدار السنة حسب الامكانيات المتاحة ،بل أحيانا ينصهر البعد الثقافي بالاجتماعي لإدخال الفرحة في قلوب الصغار المحتاجين والإبداع إلى عقولهم لتحصّنهم  الثقافة من التطرّف والإرهاب والانحراف وغيرها من الآفات التي تتربّص بهم.

“أنا اطالع إذن فأنا موجود “مشروع ثقافي تربوي رأى النور في 2018-2019 على يد السيدة منية عميرة مرشدة بيداغوجة بتفقدية اللغة العربية للتعليم الأساسي. اهتمامها بالثقافة وقيمتها في التغيير قادها بدورها لترأس لجنة الفنون والثقافة والتربية والتعليم ببلدية حمام الأنف. مشروع اقتنعت بجدواه، وآمنت به، فأقنعت الإطار التربوي بالمدارس الابتدائية والإطار الثقافي بالمؤسسات الثقافية بحمام الأنف به.

عرّفت منية عميرة مشروعها بكونه “سلسلة من الأمسيات الثقافية على مدار السنة الدراسية تتضمن مسرحيات ورقص وغناء ورسم وإلقاء شعر وقراءة نصوص محورها الكتاب تؤثثها في كل مرة مدرسة ابتدائية في المكتبة العمومية أطفال بحمام الأنف والمركب الثقافي علي بن عياد بحمام الأنف. الهدف كان تحسيس المعلمين والتلاميذ بأهمية الترغيب في المطالعة في تثقيف الطفل وتحسين نتائجه الدراسية وتعويده على ارتياد المكتبة العمومية والتعرف على خدماتها والعودة لتصفّح الكتاب “.

من ثمار القيادة التغييرية

“الإيمان بالتغيير هو الذي جعلني أضحّي من أجلهم وأندفع بكل حماس في كل عمل إبداعي أنجزه. وهو  ما دفع أيضا، بالكثير من تلاميذي للتوجه إلى اختصاصات الفنون الجميلة والمسرح والسينما…كما لمختلف النوادي الثقافية التي أشرف عليها أو أساهم في تنشطيها في المؤسسات الثقافية في مرناق دور فعال في استقطابهم وتدريبهم. فمنهم من أصبح يتقن الشعر والقصة والسيناريو وفن التمثيل والرسم وينتج مسرحيات ويشرف على إخراجها…حتى أن بعضهم عادوا إلى دار الثقافة بمرناق للتنشيط تطوعا بعد تخرّجهم بل جلهم انخرط معي في العمل الجمعياتي الثقافي. وهذا يجعلني أطمئن لمستقبل تونس ويشعرني بالرضا عن النفس لأني تمكنت من صنع رؤية جديدة تبناها الشباب المبدع والعمل على تأسيس هذه الرؤية والتغيير لتثبت مع مرور الوقت”. هكذا تحدثت الأستاذة جهاد الجاني لتبين التغيير الذي جنت ثماره مع تلاميذها بعد أن سقتهم حبّا للثقافة والإبداع. ومازالت مواسم الجني متواصلة لينضم إليها المزيد من الشباب المبدع.

ثمرة التغيير أيضا كانت حصادا وفيرا من الجوائز ومن النتائج المحفزة في المكتبة العمومية حي الرياض بمرناق. فقد تحصلت خلال شهر أوت 2020 لينا التومي ذات السادسة عشر ربيعا على جائزة القصة الرقمية التفاعلية بعنوان” فلنبني جسور الحب بدلا من أسوار الكراهية” في مسابقة مبدعون في الحجر،  التي نظمت خلال فترة الحجر الصحي العام .وتحصلت سارة دبوب عمرها سبع عشرة سنة على جائزة في المسابقة الوطنية للإبداعات الأدبية للأطفال والناشئة والشباب 2019-2020 لمشاركتها بخاطرة بعنوان “ورقات من ذاكرة النسيان” والتي نظمتهما إدارة المطالعة العمومية بوزارة الشؤون الثقافية. رائدتان وفيتان للمكتبة في التألق وطنيا.

مسرحية “صراع” لنادي المسرح بدار الثقافة بالخليدية تحصلت على جائزة أفضل عمل متكامل جهويا وإقليميا ووطنيا في مسابقة الأعمال الجماعية فئة الشباب وجائزة أفضل سينوغرافيا لبشير القماطي وذلك في إطار المهرجان الوطني لنوادي المسرح بدور الثقافة ودور الشباب سنة 2019 دورة الفنانة لطيفة قفصي الذي ينظم جهويا وإقليميا ووطنيا من قبل إدارة العمل الثقافي بوزارة الشؤون الثقافية. جائزة أفضل أداء نسائي كانت أيضا من نصيب الشابة دينا السويسي. ولعلّ دينا اعتادت رحيق الجوائز، فتحصلت على أعلى معدل وطني في الباكالوريا دورة جوان 2020 شعبة اقتصاد وتصرف ولم يمنعها النشاط الثقافي من التألق في دراستها.

وبعد العرض المحلي عرضت المسرحية الفائزة في المهرجان الوطني للمسرح ببن عروس وأيام قرطاج المسرحية 2019 وافتتاح مهرجان دييونيزيوس لمسرح  الشباب بالعوينة.

“الترغيب في المطالعة وردّ الاعتبار للكتاب وتكوين جيل مثقف مشروع أعطى كذلك أكله من خلال ارتفاع عدد رواد المكتبة العمومية أطفال بحمام الأنف بعد تظاهرة “أنا أطالع إذن فأنا موجود”  وتكثيف تنشيط النوادي من قبل أعوان المكتبة فارتفع عدد المشتركين من 63  سنة 2017 إلى 157 سنة 2019 وعدد المطالعين من 5078 سنة 2017 إلى6793  سنة 2019 وعدد المستعيرين من 4081 سنة 2017 إلى 5479  سنة 2019 .وتمّ تركيز نواة  مكتبات في الأقسام من قبل المعلّمين والمكتبة المحمولة وتزايد الاهتمام بالكتاب من قبل التلاميذ فتحوّل السّرد إلى الفعل والكتابة ” هي حصيلة التغيير مثلما ذكرت منية عميرة.

حلم ثقافي آخر يتلمّس خطاه ليرى النور يتمثل في تكوين اركسترا سمفوني بلدي تلمذي بالتعاون مع المعهد العمومي للموسيقى والرقص بحمام الأنف ثم إخراجه من المحلية ليعمّم على كل الولايات”. بهذا المشروع ختمت منية عميرة كلامها ولكن خاتمة العمل لم تكتمل بعد فكلّ مشروع يتبعه آخر.

رائدات التغيير في الحقل الثقافي آمنّ بالاستثمار في الطفولة والشباب بفسح المجال لتطوير مهاراتهم باعتبار الثقافة أداة للتعبير والتغيير.من خلال رؤية حول المستقبل وأسلوب اتصال فعّال وتمكين المشاركين ومعاملتهم كأشخاص متميزين وتنفيذ الرؤية بالشراكة مع المجموعة لتحقيق الاهداف.

إن وفقت قائدات التغيير في التغيير بالثقافة ومن أجل الثقافة قناعة بأهميتها في غرس ملكة الإبداع لدى الناشئة والتأثير فيهم وتمكنّ من إقناع المجموعة بمشاريعهن، فلم يطمحن إلى الريادة بل أتتهنّ طوعا بفضل ما أنجزن وهو ما يؤكد المبدأ الأساسي للقيادة التغييرية أنّ كل فرد مؤهل للقيادة وأحيانا يمارسها ويوفّق في الوصول إلى نتائجها دون دراية أنه مسك بزمام القيادة….

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق