Type to search

سينما

فرططو الذهب.. رحلة بين الواقع والخيال تغوص في أعماق الإضطرابات النفسية للإنسان

شارك

حنان بن مبروك – الأيقونة الثقافية

يواصل المخرج التونسي عبدالحميد بوشناق كتابة اسم مختلف في عالم السينما التونسية، فمن تابعه من سينمائيين ومشاهدين ونقاد وحتى صحافيين، منذ أول انتاجاته قبل نحو أربع سنوات، يدرك جيدا أن هذا المخرج الشاب يختار لنفسه تيارا سينمائيا لا يشبه ما قدمته السينما التونسية منذ ظهورها الأول إلى اليوم. ويبدو وكأنه يسير نحو أن يصنع مدرسة إخراجية-سينمائية خاصة به تنهل من السينما العالمية ما يمكنها أن تجدد به الساحة المحلية.

ويشارك بوشناق هذا العام في الدورة الثانية والثلاثين لأيام قرطاج السينمائية بفيلم “فرططو الذهب”، وينافس على جوائز أفضل الأفلام الروائية الطويلة، وهو أيضا مرشح لتمثيل تونس في جوائز الأوسكار العالمية ضمن فئة الأفلام الناطقة بلغة غير الإنجليزية.

و”فرططو الذهب” هو الفيلم الروائي الثاني لبوشناق ولم يبتعد فيه عن عالمه الفنتازي المعتاد الذي يوظف سينما الخيال وسينما الرعب كي يعالج قضايا من سيريالية الواقع وفلسفة الإنسان ككائن غير مستقل عن محيطه ومرتبط بماضيه وحاضره ومستقبله، ويخط  بذلك اسما مختلفا في عالم سينمائي تونسي يكاد يكون متشابها من حيث النوع والفكرة والطرح.

ويعالج الفيلم قصة الشاب الثلاثيني معز، الذي جسّدها الممثل محمد السنوسي في أول دور سينمائي له، وهو شرطي، فظ وعنيف، سليط اللسان، لكنه يمتلك جانبا مخفيا في شخصيته يدفعه لمساعدة طفل صغير يوشك على العمى.

يتتبّع المخرج علاقة معز بأبيه عبد الوهاب (فتحي الهداوي) وتحكمها في حياة الشاب الذي لم ينفصل على ماضيه، بل صار يتخيل أحداثا ماضيه في واقعه المعقّد. إنه يتحول إلى صورة مصغرة عن والده الذي كان قاسيا وسكيرا وعنيفا مع كل من حوله، ورغم ذلك ينفر من والده ويبدو كارها له ويحاول الهرب قدر استطاعته من تصرفاته والتواصل معه.

ويرواح بوشناق الأحداث بين الواقع والخيال، مضفيا مسحة من العنف والرعب الذي عرف عنه في كافة أعماله، وخاصة فيلم “دشرة”، ليكشف للمشاهد أن الفيلم كله خليط بين الزمن الحاضر والماضي. فلا الطفل الصغير حقيقي ولا الأب رجل قاسي ولا معزّ شرطي عنيف بصدد مساعدة طفل لا يعرفه.

إنه باختصار يعيش نفسيا في حالة الطفولة، وهو صورة عن طفل متعلق بماضيه وبصورة الأب المثالي فلا يستطيع الخروج من هذا السجن. ويستحضره على شكل خيالات وقصص وسيناريوهات غير واقعية يرسمها لا وعيه كرد فعل على صدمته الكبرى ورفضه التام لمعاناة والده الفنان الموهوب، وتنكر المجتمع لقدراته التمثيلية وموهبته وما خلف هذا الأمر من حسرة في قلب الأب الذي صار شرسا وشديدا مع أبناءه.

إنه فيلم عن غياب حلقة التواصل والحوار بين الأجيال وفي داخل العائلة الواحدة، وبين الإنسان ونفسه، فلا أحد يفهم الآخر أو يحاول الاقتراب منه وتقبله.

وطوال ساعة و35 دقيقة، كان فرططو الذهب نداء لكل عقل بشري واع للعودة إلى الماضي والتصالح معه، وأخذ ما يجب أخذه للحاضر والمستقبل والتعلم من التجارب المؤلمة للوقوف على حقيقة مهمة ألا وهي أن الحياة كفرططو الذهب قد تكون ريشة ذهبية تلون حياتنا بالحب والأمل وقد نكون فيها كما قال الهادي الجويني يوما كالفرططو “الي يرجع للنار إلى تحرقو”.

وفي هذا الفيلم، ربما يكون “معز” واحدا منا، أنا وأنت، ولما لا عبد الحميد بوشناق نفسه، فنحن وإن كبرنا او تعلمنا وازدادت خبراتنا في الحياة، قد نكتشف في نهاية المطاف أننا لم نتحرك “نفسيا” بعيدا عن موقف مؤلم أو مفرح عشناه في طفولتنا، وعلاقاتنا بآبائنا وأمهاتنا تتحكم بنسب كبيرة للغاية في تكويننا النفسي والعقلي، وتقودنا نحو اتجاهات في الحياة قد لا نعي بها ولا نرغب فيها.

وفرططو الذهب المنتظر عرضه انطلاقا من السابع من نوفمبر الجاري في صالات السينما التونسية، هو من بطولة كل من فتحي الهداوي ومحمد السويسي وهالة عياد وإبراهيم زروق ورباب السرايري والطفل ريان داودي.

وقد كتب عبد الحميد بوشناق سيناريو الفيلم في استدعاء لفصول الذاكرة الأولى التي تعود إلى أيام الطفولة. وهو الفيلم الرابع في رصيده، وكان فيلمه الأول وثائقي – روائي طويل بعنوان “قديما كركوان”، تلاه الفيلم الروائي القصير “كعبة حلوى”، ثم فيلم “دشرة” الذي حقق أعلى نسبة إقبال خلال عرضه في دور السينما.

الوصوف

أترك تعليق

Your email address will not be published. Required fields are marked *