الرئيسيةسينما

فيلم “دشرة” : سينما رعب جديدة تغوص في عوالم السحر والشعوذة

تبقى ميزة فيلم " دشرة " قدرة المخرج في المزج بين الديني        والوثني بملامح  تونسية و بأسلوب أكدت براعة  في التصوير حيث عشنا أجواء حقيقية من الرعب إلى جانب الحبكة الدرامية   والتحكم في مسار أحداث الفيلم حين يعيد فجأة تصعيد الأدرينالين للمشاهد بعد أن نتوقع أن الايقاع انخفض.  

تقييم المستخدمون: 4.7 ( 1 أصوات)

يسري المهذبي – الأيقونة-

عبد الحميد بوشناق  مخرج فيلم دشرة” خريج المدرسة العليا لعلوم و تكنولوجيات التصميم بتونس و المدرسة العليا للدراسات السينمائية بجامعة مونتريال بكندا، الفيلم مدته مائة و ثمان دقائق ، توج بجائزة أحسن فيلم رعب في بولونيا شارك في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي (29 أوت الى 09 سبتمبر 2018) وذلك في مسابقة أسبوع النقاد،  عرض أيضا خلال ايام قرطاج السينمائية خارج المسابقة الرسمية ويعرض الآن في أغلب قاعات السينما التونسية منذ 23 جانفي 2019.

فيلم دشرة أول فيلم طويل لعبد الحميد بوشناق من إنتاج شركة ” هكة ” ، تمثيل كل من ياسمين الديماسي، عزيز الجبالي، بلال سلاطنية، هالة عياد، هادي الماجري، بحري الرحالي والطفلة كاهنة المؤدب.. مكان التصوير عين دراهم.

كان له فيلمين قصيرين : فيلم ” كعبة حلوى ” شارك به في العديد من المهرجانات الدولية مثل دبي السينمائي ، لوس أنجلوس ، وكذلك فيلم “مرايا” وفيلم وثائقي عن كركوان وقدم كذلك سلسلة ” هذوكم ” وهو طرح شبابي جريء.

 يستند فيلم “دشرة” على قصة حقيقية  استلهمت أحداثه من بعض الحوادث المرعبة التي وقعت في تونس، وبقيت في مخيالنا الشعبي العديد من الحكايات والخرافات التونسية التي ارتبطت بالسحر الأسود والشعوذة وتقديم القرابين للشياطين في شكل دماء صافية من أطفال يتميزون عن غيرهم بوجود علامة سوداء في عيونهم وبأيادي يظهر فيها خط العمر عرضيا مستقيما للحصول على كنوز استحوذت عليها هذه الشياطين.
أحداث الفيلم تبدأ بمعهد لتدريس الصحافة حيث يطلب الأستاذ المؤطر من طلبته بالبحث عن سبق صحفي متفردا بعيد عن مواضيع الثورة.
الفيلم شخصياته الرئيسية ياسمين صحافية شابة، بلال مصور صحفي ووليد تقني الصوت، وهو عبارة عن ثلاث أجزاء، أولها حين علم ابطال  الفيلم بقصة ” منجية ” منذ خمسة و عشرين سنة التي وجدوها مرمية في أدغال غابة مقطعة الأيدي       والأرجل ومذبوحة الرقبة فعمل الأطباء على معالجتها وتوصيل أجزاء جسمها ثم رموا بها بمصحة عقلية لكن الأمر الغريب أن هذه المرأة لا تتقدم في العمر ولا تظهر عليها علامات الكبر بل ظلت على حالها كما وجدوها لأول مرة منذ خمسة و عشرين سنة، حتى ظن الناس أنها من الجان أو ساحرة أو من عوالم أخرى، وانتشرت قصتها كالنار في الهشيم إلى أن وصلت حكايتها إلى ياسمين الباحثة عن سبق صحفي ، ياسمين فتاة ترى الكثير من الرؤى والاشباح في مناماتها، وتتخيل أشياء لا وجود لها في الواقع، تعيش مع جدها بشير الذي قام بتربيتها منذ الصغر حين فقدت والديها وكانت مهنته تغسيل الموتى       ودفنهم وهو رجل متدين ويبدو لنا أنه يخفي لغزا كبيرا عن حفيدته ياسمين بخصوص أمها .
أما الجزء الثاني من الفيلم فيدور في غابة ظلماء غامضة مليئة بالأسرار بين أشجارها الشاهقة وكان بالمخرج يتدرج بِنَا من زمن معاصر ( المدينة ) الى زمن وسيط ( غابة ) والتي كانت بمثابة جسر حملتنا إلى عصور قديمة كانت في “دشرة” أو قرية نائية كلها ظلام وسحر وشعوذة تسكنها قبيلة أكلة لحوم البشر وهو الجزء الثالث من الفيلم، ولكن أحداث الفيلم لم تنقلنا تماما إلى تلك العصور السابقة تماما بما أن آلة التصوير و الهاتف الجوال و السيارة موجودة إذ هناك مراوحة بين الأزمنة لنكون معنيين بهذه القصة الغريبة.
ياسمين فتاة شغوفة وتتوق إلى معرفة حقيقة المرأة  “منجية ” و ملاقاتها رغم صد مدير المستشفى لها ولأصدقائها وبعد محاولات عدة ورشوة الحراس والممرضين تمكنوا من لقاءها في زنزانة مظلمة تحت المستشفى فوجدوها كما الجان في حالة هيجان دائم تبدو وكأنها فقدت عقلها لفعل السنين أو لوقع الظلمة والوحدة التي تعيشها داخل تلك الزنزانة المرعبة، وعند اقتراب ياسمين منها ومحاولة التحدث اليها انقضت على يدها ليتمكن كل من عزيز ووليد من فك قبضتها من هذه المرأة المتوحشة.
بعد هذه الحادثة أصرت ياسمين البحث عن الحقيقة كاملة والرجوع الى مسرح الجريمة  أين ذبحت منجية وقطعت أرجلها      وأيديها وباقتراح من وليد الذي سنعرف أنه يخفي أيضا لغزا كبيرا عند نهاية الفيلم.
في طريقهم إلى “الدشرة” و بمرورهم عبر الغابة تتواتر الأحداث بنسق تصاعدي ، تتعطل سيارتهم، يشاهدون طفلة صغيرة غريبة الأطوار تأكل حمامة حية و يسيل الدم من فمها، تهرب منهم جميعا ، يصادفون رجل مبتسم ابتسامة رجل يضمر شرا ما، يقترح عليهم ضيافتهم في قريته إلى أن يصلح لهم سيارتهم، ويتضح في الآخر أنه زعيم تلك القبيلة ونتبين أن جميعهم من آكلي لحوم البشر، تتكون من مجموعة نساء لباسهم أسود،بالكاد ترى وجوههم، لا يتكلمن ويتحركن في صمت مريب     وينظرن إلى الغرباء بتوجس وبنظرات مرعبة وتتناثر بين أرجاء المنازل حبال كثيرة تعتليها كميات كبيرة من اللحوم النية والأطراف المقطعة والمقززة.
قبلوا الضيافة عن مضض شديد وبإلحاح كبير من صابر زعيم القبيلة، وأثناء العشاء وضعت تلك اللحوم في قدور تغلي بالماء، لم يتناول أحد منهم العشاء باستثناء وليد، يشعر كل من بلال وياسمين بخوف شديد، أرادا العودة سريعا إلى السيارة ثم إلى الديار لكن وليد كان يقاوم هذه الرغبة ويسخر منهم و يصفهم بالجبناء ..ليصبح الجميع في النهاية أسرى في هذه القبيلة الغريبة.
تتصاعد الأحداث ، تتواتر حركات النساء ، تتعدد مشاهد الموتى والحيوانات والجثث والدماء المتناثرة على الأرض، رجال يحملون أكياس مليئة بالجثث، الطفلة آكلة الطيور تظهر وتختفي، فجأة تأتي  فتاة حامل من نساء القبيلة لتهمس في إذن ياسمين     وتدعوها بالرحيل في أقرب وقت ممكن بعد أن وضعت في جيبها كتابا يحتوي كل أسرار القبيلة و به علمت ياسمين أن “منجية” ليست سوى أمها.
مؤثرات صوتية مرعبة، إضاءة بين السواد الحالك ونقيضها المزعج، إنتقال سلس بين الألوان نتوق لمعرفة مصير ياسمين وأصدقائها وسط هذه الوحوش الآدمية أو مصاصي الدماء ..بعد صمت رهيب تسمع ياسمين أصوات خافتة لتكشف سر القبيلة التي تعتمد السحر والشعوذة  بتقديمهم لمولود جديد الى رجل أشعث ، جاحظ العينين، مخيف السحنة، امتص دم طفل مولد جديد في طقوس ليلية غريبة فكان المشهد صادما هز أحاسيس و مشاعر المشاهدين، اكتشفوا أمرها فقتلوا صديقها بلال بطريقة وحشية هي أبشع من سابقتها ومؤثرة لتدخل في هيستيريا كبيرة، يدخل عليها جدها بشير وهو يرتل القرآن مرارا    وتكرارا لطرد الأرواح الشريرة ويخرج بها من هذا المستنقع القذر لكن يظهر وليد مرة أخرى في شكل آكل لحوم البشر فيقتل جدها ويعيدها إلى القبيلة ليطبقوا عليها طقوس الذبح مثلما حدث تماما مع والدتها  “منجية ” .
أجواء دينية ، آيات قرآنية تكرر كثيرا لطرد الشياطين، طقوس ليليّة مرعبة وكأن بالمخرج أراد أن يتمم أصل الخرافة ويدخلنا في هذه العوالم الخفية التي نسمع عنها الكثير ..التأثر واضح بالأفلام الامريكية وهذا بديهي لأنهم أسسوا لمثل هذه النوعية من السينما لكن خصوصا بالمخرج الأرجنتيني Gaspar noe  تبقى ميزة فيلم ” دشرة ” قدرة المخرج في المزج بين الديني        والوثني بملامح  تونسية و بأسلوب أكدت براعة  في التصوير حيث عشنا أجواء حقيقية من الرعب إلى جانب الحبكة الدرامية
 والتحكم في مسار أحداث الفيلم حين يعيد فجأة تصعيد الأدرينالين للمشاهد بعد أن نتوقع أن الايقاع انخفض.
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق