أدب وإصدارات

قراءة في “احتمالات الطيش” لزهرة الظاهري

الكاتب ليس مجرد حرفي تزويق وإنما هو أركيولوجي الداخل النفسي ولذلك جاءت روايتها في شكل فخاخ متعددة وكمائن متقنة في نصابها للقاريء والفكرة التي يعالجها  مفخخة بالكثير من الأسئلة التي لن يجرؤ أحد على طرحها !

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !
بقلم الكاتب عبد الوهاب الملوح -الأيقونة –
فاجأتني زهرة الظاهري بعملها الجديد” احتمالات الطيش” أقول فاجأتني لأنه يتوفر على جميع عناصر المفاجأة سواء على مستوى الفكرة أو طريقة المعالجة أو المضامين المطروحة ؛ فليس من السهل أن تدهم امرأة من العمق التونسي ؛فتجرؤ وتعالج مسألة الخيانة ، الخيانة باعتبارها سلوكا بشريا مقيتا ،منبوذا وغير مطروح أصلا للنقاش فيه بشكل إيجابي وتغامر بالحديث عنه أدبيا بل وتتفنن في ذلك.
مرة قال فرويد كلما ذهبت لمكان وجدت شاعرا قد سبقني إليه ، واحتمالات الطيش أريكة المحلل النفسي وهي كذلك طالما أن الكاتب الجاد يؤمن بأن عمله هو محاولة استكشاف أكوان الذات البشرية وقد أجادت زهرة الظاهري استنطاق هذه الذات التي كشفت أنها عدة ذوات وأن الإنسان في جوهره ليس مجرد شخصية واحدة ثابتة الهوية والعقيدة بقدر ما هو كينونات متعددة ،مجرات داخلية التصادم فيما بينها بما يفترضه منها الوجود الواعي.
استطاعت زهرة الظاهري في هذا العمل أن تثبت ان الكاتب ليس مجرد حرفي تزويق وإنما هو أركيولوجي الداخل النفسي ولذلك جاءت روايتها في شكل فخاخ متعددة وكمائن متقنة في نصابها للقاريء والفكرة التي يعالجها  مفخخة بالكثير من الأسئلة التي لن يجرؤ أحد على طرحها !
هل الوجود الحقيقي لن يكون أجمل إلا من خلال ما يسمى الخيانة ؟ ليس الخيانة بمفهومها السطحي المعتاد . لقد خانت زهرة الظاهري أساليب القص المعتاد وألقت عرض الحائط بكل القواعد والشروط المتفق عليها في السرد وكتبت بشكل فوضوي حيث ليس هناك خط سردي واضح ، حيث ليس هناك تصميم مسبق لتطور الشخصيات حيث يتداخل الحلمي بالتداعي بالتذكر ليشكل كل هذا قوة دفع سردي للحكي تمردت على القواعد المألوفة في الكتابة الروائية واذا القاريء أمام تصدعات ،تشظيات، تبعثرات هي في الحقيقة شقاء الإنسان وعذابه في تردده ما بين جماليات الخيانة ورفض المجتمع لها …
لقد سبق لزهرة الظاهري وان تطرقت لمسألة الخيانة في روايتها الاولى”المنعطف”غير أنها في ” احتمالات الطيش ” ذهبت نحو الأقصى بشكل يجد فيها القاريء نفسه متعاطفا حد الفجيعة مع مريم ومع مريد ومع علياء ومع البحار العجوز ومع نفسه إذ يكتشف أن كل هذا حقيقة وأنه اعتقد ان العمل مجرد رواية ولكنه في الحقيقة مذكرات حقيقية لامرأة هي بدورها ضحية عشقها… لا يكاد النفس يتوقف أثناء قراءة هذه الرواية …بل وحتى بعد الانتهاء منها تثبت زهرة الظاهري بروايتها هذه أن الأعمال الإبداعية الجادة تأتي دائما من العمق التونسي الذي يعاني من الإقصاء وشبكة قلة الاهتمام …

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق