أدب وإصداراتالرئيسية

قراءة في “ميلانين” الفائزة بـ”كتارا للرواية العربية”

إبتسام القشوري – الأيقونة الثقافية

فازت الروائية فتحية دبش بجائزة كتارا للرواية العربية عن روايتها البكر” ميلانين ” ذلك الأثرالأدبي الذي يلامس قضية “الهوية كفعل مقاومة”، هل إنّ الإنسان مسؤول على لون بشرته أبيضا كان أم أسودا ؟ هل هو مسؤول عن جنسيته شرقيا كان أم غربيا أم إفريقيا ؟ هل هو مسؤول عن جنسه ذكرا كان أم أنثى ؟ تبدو الإجابة طبيعية ومعروفة تجيب عنها الطبيعة والميلانين غير أن المجتمع والبيئة والثقافة تحدد قيمة الإنسان بهويته وبلونه وبجنسه. في روايتها الأولى “ميلانين” حاولت القاصة والروائية التونسية فتحية دبش أن تفكك هذه المنظومة الظالمة في كثير من الأحيان من خلال تطرقها لموضوع الهوية في تنوعاته المختلفة، ومن خلال الصراع الحضاري بين الشرق والغرب في تناص مع نص شهير هو “موسم الهجرة للشمال” للطيب الصالح إذ أنّ هذا الصراع مازال قائما وإزداد بقوة بعد الثورات العربية أو ما سُميّ بالربيع العربي من خلال تنامي الإرهاب وتنامي الهجرة غير المشروعة أو ما عُرف بسفن الموت وبالتالى تنامي العنصرية بأشكالها المختلفة.

تتبع فتحية دبش ” أنيسة عزوز ” الشخصية الرئيسية في الرواية الآتية من عمق الجنوب التونسي (مارث /قابس) فبعد دراستها للصحافة، تذهب لفرنسا لكتابة تحقيق حول موضوع الهوية الذي أصبح فعل مقاومة إزداد حدة بعد الثورات العربية. تتوغل أنيسة عزوز في عمق مدن فرنسا لتبين المعاناة التي يعيشها العرب المسلمون والأفارقة السود الذين يُطحنون يوميا من فرط الإستغلال الفاحش وسوء المعاملة أو ماسمته الكاتبة بـ”الرقّ الجديد “ ولاتكتفي الكاتبة بهذه النظرة النقدية للغرب وإنما تعود إلى تونس لتتطرق إلى ماهو مسكوت عنه أو ما سمّاه أحد النقاد بـ”الجدران اللا مرئية” فتفتح ملف الإغتراب الذي يعيشه السود في تونس، فإن كانوا في فرنسا يعتبرون أقلية أما في تونس فهم ليسوا أقلية مرئية انما “مجرد ظلال” كاشفة عن العزلة التي يعيشونها وهم التونسيون أبا عن جد ولكن المجتمع والسلط والقوانين لا ترى فيهم ذلك وتعتبرهم غرباء نتيجة هذا الإختلاف اللوني فيعيش التونسي الأسود شتى أنواع العنصرية في الدراسة وفي العمل- إن وجد- وفي الشارع أيضا.

وتنفتح الرواية على مواضيع أخرى لتمثل الهوية: مثل علاقة المرأة بالرجل علاقات الحب والخيانة ، الحرية والعبودية وذلك من خلال رقية وشيماء وسهيل وغيرهم شخصيات عربية وغير عربية مسلمة ويهودية ومسيحية، وهي الشخصيات التي خلقتها أنيسة عزّوز من خلال مسودات لكتابة روايتها الأولى فتصبح الرواية نفسها مختبر صغير لكتابة رواية أخرى ومحل للتنظير لها في علاقة الروائي بشخصياته في علاقة الرواية الجديدة بكل ماهو رقمي في علاقة الكاتب بالقارئ وهذا ما خلق ديناميكية في الرواية وكان مجالا لتعدد الأصوات.

رواية “ميلانين” وظفت فيها فتحية دبش لغة شعرية راقية، لم تنقص من عمقها وأهدافها، فيها الكثير من التكثيف والجرأة في التطرق إلى مواضيع مسكوت عنها. إنها رواية تؤسس لفكرة الثورة و العدل وإنصاف الذات وإنتزاع الهوية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق