قضايا التديّن في عيون مفكرينا

ليلى العوني – الأيقونة الثقافية

في تونس ما بعد الإخوان أصبح من الممكن طرح المواضيع الدينية والعقائدية الحارقة والجريئة وقد تسائلت اليوم الجمعة 19 نوفمبر مجموعة من خيرة مفكري تونس أسئلة تحث على التفكير وإعادة النظر في مفهوم الدين والتدين في ندوة تحمل عنوان “أسئلة الدين وقضايا التدين” بقصر المعارض بالكرم أين يقام معرض تونس الدولي للكتاب خلال البرنامج الثقافي الموازي. حضور كثيف ملأ قاعة هشام جعيط لم يخلو من معارضين لكلام المفكرين فالعشر سنوات الإخوانية العجاف قد فعلت فعلها لدى فكر وعقيدة بعض التونسيين إلا طريقة معارضتهم كانت بالحجة والبرهان وبطريقة حضارية.. ألفة يوسف كانت تدير اللقاء وقد حاضر كل من الدكاترة عبد المجيد الشرفي، فريد العليبي، منصف بن عبد الجليل والشريف الفرجاني.

وجاء في كلمة المفكر عبد المجيد الشرفي أن لفظ الإعتقاد هو العقيدة وهو لفظ عام ولا يمكن أن يختزل في الإعتقاد الديني فقط والإعتقاد حين ننظر إليه من الناحية التاريخية والإجتماعية مشترك بين أفراد مجتمع ما لذلك فهو ليس معبر عنه بصفة علنية صريحة دائما بقدر ما هو موروث بصفة تلقائية وذلك على مستوى العالم. الإعتقاد مقنن ومرتبط بالظروف التاريخية لكل مجتمع.

وأضاف “للإعتقاد سمات معينة فعلى سبيل المثال في الديانة المسيحية الإعتقاد محوريّ على عكس اليهودية أو الإسلام فالإعتقاد ليس ضروريا بل هو ثانوي جدا في الدين والدليل على ذلك مثلا عدد الكتب العقدية القليل جدا في المغرب العربي مقارنة بالكتب الفقهية”.

السياسي في المذهب القادري

ثم خصص حديثه عن تونس بقوله أن السواد الأعظم من المجتمع التونسي عقيدته الأشعرية وهي محاولة توافق بين المعتزلة وأصحاب الحديث ولكن ما يسبق المذهب الأشعري هو المذهب القادري ونجد فيه أمورا تاريخية وسياسية مثلا لابد من الإعتقاد أن الخلفاء الرشيدين بحسب ترتيبهم لهم الأفضلية أي الصحابي الأول افضل من الثاني والتاني أفضل من الثاثل وهكذا… كذلك يجب الإعتقاد بأن جميع الصحابة هم عُدول وأن جميع ما وصلنا منهم كله خير ولا ندخل في خصوماتهم ولا قتلهم بعضهم البعض. ثم بدأنا نشعر بنوع من التململ في صفوف المفكرين من المذهب القادر خصوصا عند الشيخ محمد عبده ومن هنا بدأ التفكير في تجاوز المذهب القادري وهنا نجد أن الشيعة هم الأقدر على الإنتقاد والإعتراض بإعتبار أن باب الإجتهاد مفتوح وممكن.

“السامية اليونانية” وأثرها في الديانات الثلاث

كذلك حسب رأي الشرفي يجب التمييز بين الإيمان والإعتقاد فالأخير هو ثقافة وتاريخ أما الإيمان فهو خيار حياة ومعنى ويمكن أن يتبنى ما يوجد في العقائد التاريخية وأن ينفصل عنها كذلك بتغيير الأشخاص والزاد الثقافي فهو لم يعد يتقيد بالمعتقدات الموروثة لأن هناك “ثورة معرفية” في عصرنا لم تشهدها العصور القديمة. فالمسلم اليوم يعيش عصر “الترقيم” فهو يأخذ من كل الديانات لذلك ماكان بديهيا فيما يخص الإعتقاد لم يعد كذلك في عصرنا الحالي وما نلاحظه في الجمع بين العناصر في الديانات في مستوى السلوك والعقائد مثلا اليوغا التي هي في الأصل شعيرة بوذية. والعقائد الثلاثة الإسلامية والمسيحية واليهودية متأثرة في مقولاتها بالفلسفة اليونانية والمنطق اليوناني…هناك ثقافة “سامية يونانية” مشتركة بين الديانات الثلاثة.

الفرق بين العقيدة والإعتقاد

في حين أن المتحدث الثاني الدكتور فريد العليبي يرى أن العقيدة أوسع من الإعتقاد فهي “ترسيم إيديولوجي” خاصة من زاوية ابن رشد والغزالي ومن هنا يختلف عن العقيدة والدين بمعنى أنه بدأ في تدارس المسألة السياسية والمعرفية. المعرفة أنواع ومنها المعرفة التي يمكن أن تؤدي إلى الإعتقاد وهو هنا أمر ديني. كان أول ترسم إيديولوجي قد وُضع للناس هو الترسيم القادري الذي كفر جميع الفلاسفة وقتها.

الفرد الديني

من جهة الدكتور منصف بن عبد الجليل فإن رأيه في مسألة التدين أن الإنسان المتدين يفرق عن الإنسان الديني ويُظن من خلال هذا التصنيف أن الظاهرة الدينية يمكن تؤثر في الفرد أولا والفرد الديني هو فرد منتسب ويدعي أنه حامل لهوية وهو يريد أن يستعيد ما سلف بشكل إنتقائي إذن هو مستحضر لماض إنتقائيا وإختزاليا وتعدديا والمثال على ذلك الإنسان المسلم فهو فرد ديني متعدد ويظن أنه واحدة ولأنة فردٌ فقد إستنبت نفسه في الفرقة الناجية وهو فرد متشظ في باب الأخلاق والمعرفة والإدارة السياسية في الشأن العام وفي الحقوق.

الإنسان الباحث عن المعنى في الدين

الشريف الفرجاني أراد من خلال كلمته ترسيم معنى الدين في حياة الفرد على إعتبار أن الإنسان لا يمكن أن يعيش إلا إذا أضفى على حياته ووجوده وسلوكه وعلاقاته بالعالم والناس معنى وهو الدين. كل الأديان عكست العلاقة بين الموت والحياة فالمطلق هو الموت والمحدود هي الحياة والموت ليس سوى إنتقال من حياة إلى أخرى.

والدين هو مجموعة المعايير السلوكية التي تفضي إلى معنى وإلى الوجود والقدرة على تحقيق السعادة في الدارين وبه يتغلب الإنسان الديني على الشعور بعبثية وجوده. لا وجود لإنسان ديني بل أناس دينيون في الديانة الواحدة دلالة على الإختلاف وعدم التجانس في الدين الواحد.