كأن تُــــــــهان مرتين..

الأيقونة الثقافية

لئن صرح والي تونس الشاذلي بوعلاق قائلا بالحرف الواحد -” اللجمي تحدّث عن السماح بإقامة تظاهرات الأحزاب السياسية… يجب التوضيح أن الوضعية تختلف لأن الأحزاب تتنافس فيما بينها لإستعراض قوّتها أما في حال إقامة حفل فني فما الهدف من ذلك؟ وما هي الرسالة التي سيقع توجيهها؟- فإن مثل هكذا تصريحات لا تنم سوى عن، أولا قلة ذوق، ثانيا جهل مدقع بقيمة الفن والموروث الغنائي الصوفي ومستوى ينحدر يوما بعد يوم في بلد شهد ثورة على الظلم والجهل وشعب وفنانون تحدوا الرصاص كي ينالوا الكرامة وفي تصريح مثل هذا مس من كرامة الفنان وقيمته في مجتمعه ..طيب هل يعرف من صرّح مثلا ماهو الغناء الصوفي والطرق الصوفية في تونس؟ هل شهد على الأقل أن هذا العرض بالذات حقق نجاحا جماهيريا منقطع النظير ، لا نكاد نصدق أن تصدر مثل هذه التصريحات على لسان شخص مسؤول ويمثل الدولة التونسية.

ولكن لم قد نصدم منه ألم يصرح رئيس الحكومة هشام المشيشي في مناسبة سابقة وفي حركة “فهلوة” كما يقول أصدقائنا في مصر كي يحتوي غضب الفنانين واحتجاجهم من تعطيل العروض الفنية خاصة المسرحية منها، قال إذا حينها الفن “يفرهد على الناس” بهذا تنفضح رؤية المشيشي للفن والفنانين إنه يراها كما تراها مثلا جدّاتنا التي لم تتلق تعليما ولم تعرف يوما أن المسرح مثلا فعل مواطني به نبني إنسانا صالحا ومواطنا يطالب بحقوقه ويقوم بواجباته ولكن أين بورقيبة كي ينظر إليهم شزرا ويقول بعضا من خطابه في 7 نوفمبر 1962.

من أهم ما جاء على لسان بورقيبة في هذا الخطاب ” لا نقبل أن يترك أمر المسرح لمجرد الموهبة والهواية والإجتهاد الفردي، فالفن المسرحيّ يتطلب التعليم والتهذيب والدرس. وقد أنشئت من أجله الكليات لتدريب ذوي المواهب وإفادتهم بما سبقهم من تجارب”. لتفتح إثر هذا الخطاب فتحت مدارس ومعاهد لتدريس المسرح. كما تكونت فرق مسرحية في الجهات. وكانت فرقة الكاف، عاصمة الشمال الغربي، أولى الفرق المسرحية التي لعبت دورا أساسيا في تطوير المسرح التونسي

وفي مدينة قفصة الجنوبية، قام شبان متخرجون من معاهد المسرح في تونس، وفي بلدان أوروبية، بتأسيس فرقة مسرحية “المسرح الجديد” مساهمة بدورها في تطوير المسرح على مستوى المضمون وفن الإخراج ويعود الفضل في ذلك إلى رجاء فرحات، وفاضل الجعايبي وفاضل الجزيري ورؤوف بن عمر.

هناك إمكانية كبيرة جدا أن المسؤولين التونسيين لا يعرفون هذه الأسماء لكن هل تسعف الذاكرة بمعرفة الفاضل الجزيري على الأقل؟؟ صاحب الحضرة لسنة 1991؟ ألم تروا النوبة وترقص على أغاني لطفي بوشناق وليليا الدهماني واسماعيل حطاب والهادي حبوبة وغيرهم …سنفسر أكثر هناك خيط رابط بين الحضرة 91 والزيارة لكم أن تتخيلوا وجه الشبه ومدى قربه من الناس ولكم أيضا أن تتخيلوا حجم الإقبال على هكذا عروض.

وحتى إن كان التنافس بين الأحزاب مشروع في زمن الكورونا وبالتالي إستعراض قوة الأحزاب فيما بينها أمر محمود فليس من الحق والعدل -إن كان هناك مازال إيمان بهما- أن تصادر إقامة حفل فني مجاني في نفس مكان الإحتجاجات وفائدتها جمة لو يعلمون والرسالة من ذلك… نعلمك أيها الوالي أن إقامة فني واحد هو أكثر فائدة وإلهاما وثورة وكرامة من آلافعلى المستوى النفسي على الأقل، العمل الفني أدواته الكلمة والمشهد والتعبير الجسماني واللحن وهي وجوبا أرقى بكثير من السب والشتم والعنف والقنابل المسيلة للدموع والدروع والرش والعصا…