“كابوس انشتاين” لأنور الشعافي: سخرية جريئة من عالم افتراضي

راضية عوني – الأيقونة الثقافية

لا يستقر إلا على سفر في عالم التجريب المسرحي، يهوى منافسة نفسه ويتحداها في كل عمل/مغامرة، ممتلئ بالفن المسرحي حتى النخاع، لذا كان كل عمل يقدمه أصيلا متفردا بدء بـ”ليلة 27″ سنة 1990 مرورا بـ”بعد حين” “وترى ما رأيت” وهوامش على شريط الذاكرة” وصولا اليوم إلى “كابوس انشتاين”. أنور الشعافي ينطلق من نص مسرحي قرأه فأعجب به لنشاهده وقد اكتسى روحا على ركح مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة.

العمل من كتابة كمال العيادي الذي يسمى نفسه “الكينغ”، صديق أنور الشعافي، درسا معا فنون المسرح وافترقا لبرهة مع ابقاء الود بدليل أن الشعافي يقرأ للعيادي وفي حواراته يفتخر كونه آخر كتاب قرأه “مفاتيح القيروان” للعيادي، أما هذا الأخير فقد وضع كل ثقته في الشعافي كي يغير ويحوّر في نصّه خدمة للعمل الدرامي،  اجتمعا مجددا إذافأمسكا بطرفي خيط اللعبة كي نبقى مشدوهين، فنقول، بكل صراحة، كم جميل أن يتخلى المخرج عن نرجسيته فلا يكون مخرجا وكاتبا ومنتجا وسينوغرافيا وإن لزم الأمر الممثل الأوحد الأحد..ثم كم هو رائع أن تتحول روايات وأقاصيص الكتاب التونسيين على الركح أو على الشاشة الكبيرة،  ليس لنا إلا أن نحث ونطلب بالحاح ونؤكد مرارا وتكرارا أن في إلتقاء الأفكار وتضافر الجهود رابح أوحد المجتمع التونسي وهو لعمري أسمى ما يمكن أن يقدمه الفنان لبلده.

“كابوس انشتاين” يطرح تساؤلا كبيرا أي مصير للإنسان مع تنامي وسيطرة تكنولوجيا التواصل على حياتنا.  سيق هذا التساؤل بأسلوب ساخر جدا وبلغة عربية فصحى رشيقة لا تتعالى على الجمهور فتنفره من لغته الأم ، الكتابة المسرحية كما اللعب الدرامي منحنا جمالية مشهدية فيها من الجانب العجائبي والغرائبي الشيء الكثير. لنفصّل القول، تخيلوا أننا ندخل عقل العالم الكبير انشتاين ونعيش معه لحظات من كابوسه. تبدأ رحلة الكابوس هذه مع اقترابه من سن السبعين وعدم اعترافه بأنه قد صار عجوزا.. يسافر انشتاين عبر الزمن في المسرحية وهو الذي عُرف بنظرية النسبية التي تفترض امكانية التنقل بسرعة الضوء، ليجد عالما آخر في انتظاره تحكمه تناقضات شنيعة..هنا تبدأ الملهاة لنعود بدورنا إلى الاشادة بالنص المكتوب حيث للكلمة وقعها الشديد حتى يضحك المتلقي من واقعه وينظر إليه من منظار مختلف عن السائد، سيتطلب هذا إعمال خيالك مرة أخرى أيها القارئ.

مارلين مونرو وحباب وعلقمة وشخصيات أخرى، في توليفة لا تحدث إلا في رأس انشتاين، الذي يكتشف في كابوسه أو سفره إلى المستقبل ما ستؤول إليه البشرية، من حروب وصراعات نتيجة ما سمي بثورة المعلومات لكن كل السخرية تكمن في تحويل هذا الصراع إلى العصر الجاهلي، هنا يلعب المخرج على التناقضات كأن مثلا نرى الممثلين يركبون hoverboard ونسمع صوت صهيل الحصان أو اكتشاف علقمة لعالم الفايسبوك وكيفية نسج علاقة عشق عبر الفضاء الافتراضي والحرب التي قامت جراء لعبة freefire  أو بسبب الضغط على زر الاعجاب لبنت أعيان القوم..علينا أن نشير إذا أن حامليْ هذا الطرح الفني  يُدينان بشدة كيفية التعامل مع التكنولوجيا حين يصبح بين أيدي من تحكمه النزعة القبلية، الأمر الذي ولّد لوحات من السخرية اللاذعة وموضوع للتندر والنقد فالكل يناقش الظواهر الاجتماعية والسياسية والكل معتد بنفسه كأنهم حكماء زمانهم، ألم نقل أن الاطار العام عجائبي في مداه الأقصى.

التناقض لا يكمن في المنطوق فقط على خفته وروح الدعابة الذي تعتريه انما من خلال أزياء الممثلين واستعمال متممات ركحية وغيرها كي يكتمل المشهد. ومن أجل مزيد المضي قدما في الغرابة نرى مارلين مونرو معشوقة انشتاين وكلنا نعلم مدى تعلق مونرو بالأذكياء أمثال ارثر ميلر- زوجها- والرئيس جون كندي تتحول مونرو إلى ساقية في خيمة من خيام اللهو فتقدم رقصاتها المعهودة..

كل هذا لا يجعلنا ننسى دور الممثل حيث  أبدع كل من البشير الغرياني، علي بن سعيد، ياسين الفطناسي، المنصف العجنقي، لطفي ناجح، آمال العويني، كمال زهيو، آدم الجبالي وأسامة الشيخاوي في نقلنا إلى عوالم كابوس انشتاين اذ يبدو جليا تمكن كل فرد من المجموعة من شخصيته باكسابها الصورة المثلى المتخيلة في عقل الكاتب أولا ثم في عقل المخرج.

أخيرا يرفض أنشتاين مثل هكذا حياة فيدين تأثير الإلكترون على حياة الفرد فالتواصل السريع والآني لا يؤدي إلا إلى حالة من العبث أما البحث عن الخلود كما كان يرنو انشتاين فهو وهم وخروجنا من التاريخ بتخلفنا واقع مرير حاول هذا العمل المسرحي تمريره الذي انتهي بأبيات شعرية  “ليس للربيع علامة..بالي هذا الوطن..بالي هذا الجسد”.

بالعودة لمسألة التجريب المسرحي في تجربة أنور الشعافي فقد استعمل تقنية حضور الممثل افتراضيا في مسرحية “ترى ما ريت” عبر تقنية السكايب، كذلك عشنا لحظات مثيرة في “هوامش على شريط الذاكرة” باستعمال مختلف لتقنية الفيديو حيث تخلى الممثل عن الركح ليلتحم افتراضيا مع الجمهور ويكمل لعبته المسرحية أما في “كابوس انشتاين” فقد تمكن من حملنا إلى ما يشبه أفلام الخيال العلمي بمتممات ركحية بسيطة لكنها أثبتت جدواها. ننتظر في كل مرة من الشعافي رؤية تختلف عن السائد ومشروع مسرحي ينحته بصبر وبصيرة لا تخطىء وهدف ستخصص له الصفحات في كتاب تاريخ الفن الرابع لاحقا.