لقاء “توفيق فياض”: أدب وثورة وبعض من الذكريات

ليلى العوني – الأيقونة الثقافية

يبهرك بقوة ذاكرته لتفاصيل صغيرة في حياته منذ الطفولة ويأسرك بهدوئه وإتزانه ولهجته الفلسطينية-التونسية في مزيج محبب للأذن نادر الوجود، إنه المناضل الأديب توفيق فياض الذي يفيض بمشاعر المحبة والحنين، ذلك الحكّاء الذي آثر العيش في تونس بعد 40 سنة من المنفى ومعارك طاحنة مع المحكمة اليهودية للعودة إلى قريته إلا أنه عاد ثانية إلى تونس التي أصبحت موطنه بعد موطنه فقد إختلطت دماءه بدمائنا وتبادل معنا حبا بحب وشغفا بشغف شعبا ونخبة، إستضافه اليوم الجمعة 24 جانفي 2020 بيت الرواية في لقاء خاص للحديث عن تجربته الحياتية النضالية الروائية إذ لا يمكن الفصل بين هذه العناصر في الحديث عن توفيق فياض الذي يختلط معنى حياته بالكتابة والنضال في سبيل القدس.

البدايات

“ولدتُ لأم مسيحية كاثوليكية وأب مسلم وقد عقد قران أبي على أمي الشيخ عز الدين القسام الذي أصبح فيما بعد أهم قائد للثورة والمقاومة في فلسطين وكان وكيل أمي في الزواج مطران حجاز أحد أهم قادة المقاومين المسيحيين أيضا” هكذا إستهل توفيق فياض لقاءه معنا في بيت الرواية الذي أكد أنه وليد حرب أثرت بشكل مباشر في كتاباته منها رواية “عكا 778” التي قال عنها فياض أنه قد كتبها لما سُجن مع المجموعة المقاومة 778 وهي التسمية الدارجة لهاته المجموعة وهاته الأرقام كانت عبارة عن رقم سري يتواصلون مع بعضهم من خلالها. وأضاف أن علاقته بتونس كانت منذ الصغر حيث كانت جدته تطحن القمح وتغني “ياخوف قلبي من لطمة عباب تونس..تذكرتُ هذه الأغنية عندما رست بنا السفينة في ميناء بنزرت عقب إجتياح بيروت سنة 1982.. ويبدو أن العلاقة بين تونس وفلسطين قديمة جدا من أيام أبي زيد الهلالي وغيره..”

ثرية المجنونة

وعن قصته القصيرة ثرية المجنونة إستذكر توفيق فياض أن هاته القصة حدثت بالفعل ولازمته منذ صغره إلى أن كتبها. كان ثرية مختلة عقليا باهرة الجمال فقدت عقلها جراء حادث ومع إحتلال اليهود لقريته رحل الجميع ماعدا ثرية إختفت وبقيت وحيدة في القرية وعندما إكتشف اليهود أمرها قاموا بتعذيبها وإغتصابها وقتلها ورميها بين أشجار الزيتون وبعد فترة إكتشف الفياض مكان جثة ثرية وظل يهذي مدة عشرة أيام جراء الصدمة النفسية التي تلقاها عند رؤية ما أصاب ثرية وهو الذي كان متعلقا بها في صغره. “وبعد أن حرّر الجيش العراقي القرية رجع الأهالي إلى منازلهم، نظرا لأنه لم يكن هناك مدارس، تولى الشيخ نعيم تحفيظ القرآن وهو من جعلني أغرم باللغة العربية ثم أصبحت من أهم الصوفيين في فلسطين على الطريقة السعدية” هكذا إستذكر توفيق فياض بدايات حبه للغة العربية وللكتابة.

محمود درويش

وبعدها رحل أهل فياض إلى الناصرة وهناك عاش الكاتب تناقضا بين أخلاقيات القرية والمدينة وبين الحركات السياسية الناصرية والشيوعية وغيرها فقد كانت الناصرة في خمسينات القرن الماضي مهد الثورة والمقاومة وفيها تشكلت الحركة الأدبية في فلسطين ترجمها في رواية “المشوهون” التي مازلت تهاجَم إلى الآن ويهاجَم صاحبها لأنه إعتدى على بقرة اليهود المقدسة… وعن علاقته بالشاعر محمود درويش قال توفيق فياض أنه قضى مع الراحل خمس سنوات يعيشان في غرفة واحدة ولم يختلفا إلا عندما أصر أن يكون درويش في اللجنة التنفيذية لإتفاقية أوسلو عندما أختير لهاته المهمة ما إعتبرها فياض خيانة للقضية الفلسطينية ونرى الآن النتائج الكارثية لهاته الإتفاقية.

الأدب والمباشرتية

يعتبر توفيق فياض أن الأدب إذا سقط في المباشرتية يفقد أهميته وتأثيره في القارئ وأن طبيعته كحكّاء وراوي وتشبعه بالكتب السماوية القرآن والإنجيل والتوراه والأساطير المصرية جعله يكتسب هذه الملكة فقد إشتهر في قريته أنه راوي القرية الأول خاصة في ليالي الشتاء الطويلة ..وهو يفضل القصة القصيرة لأن المواطن الفلسطيني لا يقرأ روايات طويلة كثيفة الأحداث والشخصيات بل يفضل الحديث المختصر ذو المعنى العميق مبينا أن كل قصة قصيرة أو نوفيلا تستغرق كتابتها من ستة شهور إلى سنتين.

يرفض فياض كلمة الصهيونية ويعتبرها مغالطة تاريخية كبرى فاليهود هم من إحتلوا فلسطين “عدوي الحقيقي هو اليهودي وليس الصهيوني. أصبح العرب الآن ينكرون كلمة اليهودية ويفضلون الصهيونية خوفا من إتهامهم بالسامية في حين أننا جميعا كمسلمين ساميين بالأساس” كما أكد فياض أن أردء أنواع اليهود هم الموجودين في المغرب وتونس إذ هاجروا المغرب العربي وإستقروا في القدس مع أنهم لم يكونوا محتاجين لذلك ويغالطون العالم بتعرضهم للتعذيب والطرد من المغرب وتونس ما هو مجانب تماما للحقيقة.

ختم توفيق فياض هذا اللقاء الممتع المليئ بالحقائق والأحداث المشوقة بقراءة لأقصوصة “أم الخير” التي يحبها جدا وكان لها الأثر الكبير على القارئ الفلسطيني.