Type to search

الرئيسية حقوق الإنسان

مازلنا نسأل “أي مكانة للمرأة في المجتمع؟”

شارك

ليلى العوني-الحمامات-الأيقونة الثقافية

الكاهنة، أروى القيروانية، بشيرة بن مراد، توحيدة بالشيخ وصولا إلى لينا بن مهني وراضية النصراوي.. نساء بلادي اللاتي يحق لجميع التونسيات الإفتخار بهن لم يكتبن إسمهن في عمق تاريخ تونس فحسب بل أفنين أعمارهن في خدمة قضايا المرأة والإعلاء من شأنها وسخرن القوانين للكرامة والمساواة.. نساء إقتلعن قيود مجتمعهن من معاصمهن ورفضن الأدوار التقليدية الموكلة غصبا لهن. بالعلم والمعرفة إستطعن تحقيق ما عزم المجتمع على تحريمه عليهن فتغيرت نظرته لهن وهن من غيرن المجتمع فصار يحترم كل إمرأة دؤوبة على العلم مثقفة وتحمل رسالة في حياتها تتواصل لبعد مماتها… بهن إستطعنا نحن الجيل اللاحق لهن التمتع بالحقوق والحريات وهن من زرعن روح الثورة فينا فكان لنا نصيب منها وفي الحفاظ على مكتسباتنا وتدعيمها قاطعات ، بقوة، مع كل المحاولات الفاشلة في التقهقر نحو الوراء بمزاعم دينية أو إيديولوجية متخلفة أو حتى مجتمعية ذكورية لكن رغم كل ماذكرنا، مازلنا لم نبارح السؤال الجوهري أي مكانة للمرأة في المجتمع التونسي….

من خلال المرأة وبها تحتفل الإدارة الوطنية للمطالعة بالشراكة مع المندوبية الجهوية بتونس والمكتبة الجهوية بتونس بالتونسيات الرائدات في مجال الكتابة والشعر والفن والإبداع من خلال الملتقى الوطني لإختتام الأيام الوطنية للمطالعة والمعلومات في دورته الثلاثون تحت عنوان “رائدات بلادي ” الذي إنطلق أمس 10 جوان 2022 بأحد نزل ياسمين الحمامات إبتداء من الساعة الواحدة بعد الظهر بحضور المبدعات التونسيات وأمينات المكتبات التونيسة من مختلف أرجاء الجمهورية وبكلمات إفتتاحية لكل من من مديرة المكتبة الجهوية بتونس، المندوب الجهوي للشؤون الثقافية بتونس ومدير إدارة المطالعة العمومية إلياس الرابحي.

أديبات، شاعرات، مثقفات وكاتبات كنّ يزين مقاعد القاعة ويتجاذبن أطراف الحديث، حديث أدب وفكر وفنّ، هذه تشدو بالغناء الكافي وأخرى تقرأ قصيدتها على صديقاتها وأخرى تقرأ مقطعا من روايتها بصوتها المخملي فجعلن المكان كأنه مهرجان فنون. إلى أن إنطلقت الجلسة العلمية الأولى التي قدمتها الدكتورة جليلة طريطر وتحمل عنوان “قراءة جديدة في تحرير المرأة العربية” وفيها بينت جليلة طريطر أن العصر الحديث هو العصر الذي أثار مع قضايا النهضة قضية تحرير المراة وذلك لأن أعلام ومفكري ومثقفي تلك الفترة كانوا من الذين هاجروا أوروبا وإلى الدول الغربية إقتنعوا بضرورة تحديث المجتمع وأن قضية المرأة هي من القضايا التي يجب أن تطرح وأن تهميش المرأة سيكون عائقا أمام النهضة المنشودة للمجتمع وكذلك في تحرير الوطن من الإحتلال وكان قاسم أمين في مصر هو من مثّل هذه القضية بإمتياز من خلال مشروع تحديثي متكامل من خلال كتابين “المرأة الجديدة” و”تحرير المراة” وما لاحظته طريطر أن ما ورد في الكتابين كان منخرطا ضمن مشروع تحديثي للمجتمع ككل أي أن تحريره للمرأة لم يكن تحريرا مبدئيا وإنما كان تحريرا نفعيا براغماتيا. فكان إنخراط المرأة في المشروع التحديثي للمجتمع إنخراطا سطحيا وليس عميقا لأن المرأة بيقت مرتبطة بالنسق التنويري مما يعني أنه لم يسمح لها بخطة تحريرية متكاملة إلا ما يخدم المشروع التنويري ككل..

وهذا نفس ما حدث في تونس مع الطاهر الحداد من خلال كتابه الشهير “إمرأتنا في الشريعة والمجتمع” فقد كتب الحداد كتابه بعد ثلاثين سنة من كتابي قاسم أمين إلا أننا نلاحظ أنه لا يخرج عن أفكاره فهو يقدم ذات المشروع في صورة بديلة وليست متطورة لأنه هو بدوره محكوم بالتصورات الطائفية التي إنطلق منها جيل الإصلاح والتنوير لكننا نجد على مدى ثلاثين سنة فاصلة بين كتابي قاسم أمين وكتاب الحداد هناك أحداث كثيرة قد وقعت وخاصة في المشرق العربي ونحن نعرف أن المغرب العربي كان في تبعية فكرية وثقافية للمشرق.

تضيف طريطر “الأهم من هذا كله أنه خلال بحثي وجدت ما أسميه “النصوص النساء العربيات ” وهذه النصوص هي منطلق إعادة تحرير المرأة العربية إنطلاقا من نصوصها وأخص بالذكر المؤسسة القاعدية “عائشة التيمورية” كان لها كتاب “التأمل” وهو كتاب إسهاما في طرح صوت المرأة كصوت مستقل كائن بذاته وليس مرتبطا بصوت وتصورات الرجل عن المرأة لتأتي بعدها عديد الأسماء على غرار هند نوفل، زينت عباس، قدرية حسين.. لنصل إلى مي زيادة وهدى شعراوي ونوال السعداوي…”

وتخلص جليلة طريطر كلتمها أن قضية تحرير المرأة إنطلقت منذ نهاية القرن التاسع عشر على يد المرأة نفسها ولم تنتظر الرجل أن يحررها إلا أنها لم تتحرر منذ ذلك الوقت لأنها إصطدمت بكل العوائق التي فرضها عليها المجتمع وأهم هذه العوائق هي حرمانها من التعليم أو ما يسمى ب “الحجب الرمزي” وهذا الجيل الأول المؤسس فهم أن الحجب الرمزي أهم بكثر من الحجب المادي لذلك أوكل هذا الجيل على نفسه تأسيس مدرسة نسائية عالمة تمثلها كاتبات سوريات ولبنانيات ومصرية عربية تعيد كتابة تاريخ النساء المشوه وتؤسس لذاركتهن الخاصة كما يرينها هن ودون تشويه أو تزييف.

أما المديرة العامة لمعهد تونس للترجمة زهية جويرو فقد حللت في مداخلتها التي تحمل عنوان “الحركة النسوية التونسية بين الإكراهات المجتمعية نحت الذات” واقع المرأة التونسية التي تفتخر بترسانة من التشريعات والقوانين التي تحميها وتحمي مكتسباتها وتضمن المساواة التامة بينها وبين الرجل كما يوجد قوانين أخرى تفعل مبدأ المساواة وهذه القوانين جعلتها في مكانة مختلفة عن المرأة العربية لعل أبرز هذه القوانين قانون عدد 58 لسنة 2017.

إلا أننا في الواقع نجد خللا داخل المجتمع فعلى سبيل المثال في مجال التعليم نجد أن نسبة الشابات في الجامعات تفوق 63% من نسبة الشبان ولكن عندما ندخل سوق الشغل نجد أن نسبة البطالة لدى الذكور تبلغ 12% سنة 2014 مقارنة بنسبة البطالة لدى الفتيات التي تبلغ 21.9% مما يدل على أن الذهنية والتقاليد المجتمعية تنص على أن الشغل هو اولوية بالنسبة للرجل بينما هو أمر ثانوي للمرأة.

سبب آخر يفسر التفاوت في مستوى التشغيل وهو توزيع الأعمال والأدوار داخل الفضاء الأسري فمعدل الوقت الذي تخصصه خريجات الجامعة للبحث عن العمل يساوي 4 دقائق في اليوم ويخصص باقي الوقت للأعمال المنزلية بينما يخصص خريج الجامعة ثمانية أضعاف ذلك الوقت في البحث عن العمل بإعتبار أن الأعمال المنزلية غير موكولة إليه.

هناك أيضا عامل ذهني داخل العقل الجمعي للمجتمع يتمثل في القوامة بمفهومها الديني الفقهي أنها موكولة إلى الرجل حصرا لكن الواقع يفند هذه العقلية حيث أن نسبة 38% من العائلات تقومها المرأة بمفردها أيضا 72% من العائلات التونسية يشترك الرجل والمرأة توفير الحاجيات المادية للأسرة.

ثم طرحت زهية جزيرو مسألة العنف ضد النساء بالإشارة إلى أن 74.8% من النساء بين سن 8 سنوات و64 سنة تعرضن على الأقل إلى مرة واحدة في حياتها إلى العنف وهو رقم مفزع وينذر بتنامي ظاهرة العنف ضد النساء في تونس والغريب أن أغلب حالات العنف تحدث داخل الفضاء الأسري وهي في أغلبها تعنيف من الرجل ضد المرأة ولكن أيضا تعنيف المرأة للمرأة (حيث تعنف الأم إبنتها أو العكس وتعنف رئيسة العمل موظفتها وتميز الأم في التعامل بين أبنائها وبنتها..) لذا يجب توخي الحذر من “توريث” هذه العقلية والدونية في التعامل بين المرأة والرجل وهذه الذهنية القائمة على التمييز داخل الأسرة في التعامل بين البنت والأبناء والتي تغرس هذه الدونية داخل عقل المرأة التونسية وتطبع معها.

وحتى نضمن التخلص من هذه الذهنية المسيطرة على العقل الجمعي التونسي يجب القيام بتحالف عضوي يربط بين الثالوث “المفكر وصاحب السطلة والحركة النسوية” فالمفكر هو الذي ينظر لحقوق النساء وصاحب السلطة يشرع القوانين لها وهنا ياتي دور الحركة النسوية علينا أن نفرض فرضا على المشرع التونسي قوانين تحمي المرأة وتضمن مساواتها مع الرجل ودور النساء هما يتجاوز هذا إلى العمل اليومي والمراقبة من أجل تغيير هذه الذهنيات وهذا لا يكون دون ثقافة ودون إستراتيجية تقوم ببناء وعي جديد “علينا جميعا أن نتمثل في السلوك اليومي لوعي جديد وذهنية جديدة لأن ينظر لأفراد المجتمع حسب قدراتهم وأعمالهم وليس حسب نوعهم الجندري” ذلك ما ختمت به زهية جويرو كلمتها.

وفي ختام الملتقى تم تكريم عدد كبير من المبدعات والكاتبات والشاعرات على غرار فضيلة الشابي، أميرة غنيم، سعدية بن سالم، نافلة ذهب، زهرة حواوشي، فضيلة بوخريص…

الوصوف

You Might also Like

أترك تعليق

Your email address will not be published. Required fields are marked *