مسرح

مسرحية ” ترفاس ” لحافظ زليط: الصحراء جمال هادى يخبيء في ثناياه أساطير و خرافات عدة

يسري المهذبي- الأيقونة

عرضت مسرحية  ” ترفاس ” لحافظ زليط ضمن فعاليات مهرجان عز الدين قنون في دورته التأسيسية  يوم الأربعاء 27 مارس 2019 بمسرح الحمراء وهي من انتاج شركة الحافظ للإنتاج الفنون الدرامية والتنشيط بمساهمة مسرح الحمراء.
كوريغرافيا وإخراج حافظ زليط، نص مقتبس من مدونة ابراهيم الكوني، صياغة اللهجة المحلية ومراجعتها محمد الحاجي وعمر الجمل، تمثيل نجوى ميلاد، مراد بالناصر، رانيا الجديدي، الجوقة الراقصة : اشرف بالحاج مبارك، بلال الشويحي، احمد الرزقي، عبد العزيز التواتي، سينوغرافيا و اضاءة طه جابر.
اعتبر حافظ زليط  هذا العمل عودة إلى الجوقة ، إلى الصورة اليونانية القديمة كأصل وهي تحتوي على الصوت الأوبرالي والرقص والمسرح لتكون توليفة ولتجتمع جميعا وتكون عرضا مسرحيا متكاملا وشاملا، وليكون شهادة حية على عشق المخرج للصحراء وليحتضنك بسحر نورها ونسميها المنعش وليقول لك ان هذا المكان لا نهاية له وانت تتطلع للصخور الرملية التي تحكي تاريخا يمتد على ملايين السنين والعرض هو نداء سيحملك بعيدا عن صخب الحياة و يدعوك للغوص في لحظة تامل خارقة حيث لا معنى للمكان والزمان، لحظة تامل بإمكانك ان تعيشها في هذا العرض ، تدفعك لا إراديا الى خوض مغامرة مثيرة لسبر اسرارها واكتشاف خباياها من خلال رحلة في عمق الصحراء تختزن في خبأتها اثارة المكان و سحر الزمان.
الترفاس هو الكمأ أو الفقع في الجزيرة العربية، او نبات الرعد  أو العبلاج في السودان، ويسمى الترفاس في تونس وليبيا والجزاير والمغرب وهو فطر بري موسمي ينمو في الصحراء بعد سقوط الأمطار تحت الارض ويستخدم كطعام للغزلان والبشر.
الترفاس كنز، واكتشاف الكنز مشروط بوجود الطلسم، مفتاح السر والاشارة، ولا يولد السر الا بالنداء، همس المجهول، تتنوع الموضوعات الواردة في هذا العرض تنوع الوجود والحياة، وما يقابل البشر من أقدار وما ينتابهم من أهواء، ناهيك عن العلاقات الاجتماعية التي لا تقل صرامة عن قوانين الطبيعة التي ما تزال لها السيادة العليا على الكون الصحراوي الذي يحيلك اليها العرض بتفصيلاته ووقائعه الى مادة التامل حول الأسئلة الابدية عن الانسان والوجود والموت.
ومن الترفاس حملنا المخرج الى عوالم الصحراء السحرية، ليغوص بِنَا في أعماقها وخباياها وليواصل سلسلة أبحاثه و إنتاجاته بداية من كعب الغزال، مرورا بعروق الرمل، وصولا الى الترفاس، فتوغل في تقاليد و موروث الصحراء الغني بصيغ جديدة وإيقاعات متنوعة وصور جميلة و تعابير جسمانية في غاية الاناقة و الجمال و بإحساس راق ومرهف ليزيد في شغفنا و ارتباطنا بهذا المكان الفاتن.
يقول حافظ زليط عن اختياره لنبتة الترفاس انه اكتشاف بالنسبة له وان هذه النبتة الغريبة والعجيبة في نفس الوقت تنبت تلقائيا في الصحراء وبدون عروق وهي عبارة عن كنز لا بد من البحث عنه طويلا وبجهد كبير لانها سرعان ما تختفي و تتبخر دون سابق إنذار .وجميع هذه الألغاز حركت شيئا في نفس المخرج وجعلته يبحث ويغوص في عمق رمال الصحراء وليفكر ويتأمل في جدلية الحياة والموت وعلاقة الانسان بالخالق وعالم الصحراء عالم بالأساس مليء بالأسرار والغموض ولأنها ارض قاحلة تندر بها الأمطار ويقل النبات وتكاد تنعدم صور الحياة فيها لذلك قد نظن خلوها من الجمال كخلوها من الحياة ولكن لا بد من تغيير رأينا بعد مشاهدة عرض مسرحية الترفاس لان المخرج فعلا بعث الحياة من جديد في عروق المترامية الأطراف للصحراء ونبش في مكامن الجمال والسحر فيها.
اضواء خافتة، رؤوس ترفاس انتشرت في جميع ارجاء الركح على ستائر بيض، موسيقى ناي شبيهة بموسيقى الريح على الرمل، خمس شخصيات تناغم أداءها فيما بينها بأسلوب سلس و وتوارت تفاعلاتهم وأحاسيسهم بطريقة راقية و باداء فني بين ساحرة ( رانيا الجديدي ) زنجية ضخمة وجميلة وصاحبة الصوت الحاد وهي رمز قوة الصحراء كما في مخيالنا و مخيال أهالي الصحراء والمرأة في قبائل ” الطوارق ” او ما يعرف ب twareg وهي آلهة القبائل نجدها خلال العرض مكشوفة الوجه والرجال كانوا ملثمين وليعطي بذلك المخرج القيمة الرمزية للمرأة.
بلوحات فنية ممتعة كشف لنا صاحب العمل علاقة الساحرة ” Tila” بالفنك  والخفاش وتقديم القرابين في شكل أكباش ضخمة و ليسيل الدم بحثا عن كنوز مفقودة وهي أساطير لطالما رواها لنا اجدادنا وبين امرأة تحولت الى طائر ” النعوشة ”     (نجوى ميلاد) هذا الكائن التي أحاطت به الأساطير والخرافات ونسجت حوله القصص والحواديت وحرصت الجدات على قصها بكل تفنن وابهار على مسامع الأحفاد الصغار، كابوس وياله من كابوس قض مضاجع الأطفال
حمل حافظ زليط هذه الأسطورة الى الركح ليعبر عنها بكل جمالية وأناقة وليقدِّمها بشكل جميل عكس ما كان دوما في مخيالنا، وكان دور ” النعوشة ” وما حمله من تعابير جسمانية وصوتية وأداء ركحي مقنع جدا.
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق