مسرح

مسرحية” سيكاتريس” لغازي الزغباني: هل نحن فعلا أحرار ؟

يُسري المهذبي – الأيقونة

” سيكاتريس ” عمل مسرحي جديد دراماتورجيا وإخراج لغازي الزغباني نص لحاتم جوهر وتمثيل كل من نادية بوستة ومحمد حسين قريع هذا الثلاثي الذي اجتمع في أكثر من عمل كما كان ضمن المجموعة محمد علي القلعي ومريم الدريدي وطلال أيوب .

مسرحية ” سيكاتريس ” هي تعبير عن جراح البلاد  وجرح للذاكرة الجماعية كي ننتبه لماضينا بأن نأخذ العبر والدروس حتى لا نقع في نفس الأخطاء وبالتالي يكون عرض  “سيكاتريس” بمثابة تنشيط لذاكرة المواطن التونسي .

المسرحية تبحث في  حكاية صحفي ناضل من أجل حرية التعبير  من منطلق مواقفه الرافضة لنظام قمعي ديكتاتوري لبن علي الذي عانى منه العديد من المثقفين وكثير منهم انتهى بهم المطاف الى إدمان الكحول وحتى الوصول الى مستشفى الأمراض العقلية.

هذا العمل الفني يضعنا أمام مسؤولية كبيرة لان الحرية التي نعيشها بعد الثورة هي حرية مزعومة أو أننا تخيّلنا أننا أحرار لانه في نهاية العرض نجد أنفسنا وسط كم هائل من الأسئلة وأساسها ” هل نحن فعلا أحرار ؟ ”

الحرية تلك القيمة والضرورة التي استشهد من أجلها الكثيرين وضحى لأجلها العديد علينا أن نحافظ عليها كلفنا ما كلفنا،        “سيكاتريس” تطرح العديد من الأسئلة الوجودية ولكل مشاهد قراءاته الخاصة به فهي بالفعل تجعله يفكر و يبحث و يسأل في عالمه وواقعه وحقيقة وجوده من عدمه.

المسرحية بحثت في الكثير من المسائل الاجتماعية الكبيرة التي عايشناها في زمن القمع ، زمن السلطة الجائرة ، زمن البطش والقوة ، زمن بن علي ويمكن القول أنها بعد الثورة تغيرت شكلا ولكن المضمون الى اليوم بقي على حاله إن لم نقل زاد سوء و تدهورا، في المسرحية شاهدنا تكرار المواقف وكأن التاريخ يعيد نفسه ففي التسعينات عشنا الحرب التي شنت على العراق واليوم نفس الحرب تكررت على سوريا وكان بالمخرج غازي الزغباني أراد ان يعطي للعمل الفني بعدا وطنيا وقوميا في نفس الوقت لأن جراحنا هي نفسها جراح العالم العربي اجمع.

ميكرفون،كراسي،طاولات خشب، عناصر ديكور طغت على خشبة المسرح ولم يكن اختيارها اعتباطيا وإنما كانت تحيلنا دوما إلى واقع السياسة العفن وعلاقة النظام بالصحافة وقبر كلمة الحق ودفن القلم وصنصرة المواقف ووأد كل من يعارض السلطة، وفي كل مرة يتخلل الديكور ممثلان اثنان ( مريم الدريدي و محمد علي القلعي ) يرويان ويسردان الخرافة غداة كل انتقال من مشهد الى مشهد باداء وحبكة مميزتان، تجول بك الاضواء الخافتة والمتنوعة والموسيقى الصاخبة حينا والهادئة الحالمة أحيانا أخرى بين الأزمنة والأمكنة وبين الشخصيات وتفاعلاتها و صراعاتها ومع أداء مُلفت للمثل محمد حسين قريع ونادية بوستة وطلال أيوب ، كلها عناصر انسجمت و تناسقت فيما بينها لتكون عملا مسرحيا محترما.

نص المسرحية يروي قصة و معاناة صحفي ذاق ويلات الظلم تحت نظام قمعي في فترة بن علي ولم يقدر على مواجهة  سلطة المال والسياسة إلى أن انتهى به الامر إلى إدمان الكحول ثم الى مستشفى الأمراض العقلية أين نجده يتأرجح بين بقايا تاريخه أو ماضيه المؤلم وحكايات الحب والخيانة ، في ماضيه كان هناك صاحب الجريدة ” الباش حسين ” رمز الى أصحاب المؤسسات الإعلامية المتملقين إلى النظم الفاسدة وان لزم الامر بدهس اي كان وقتل طموح كل صحفي شريف وطمس مواقفه و قلمه، ومن الشخصيات الأخرى نجد صاحب الخمارة ” التابعي ” والنادل ” التوهامي” وحارس الجريدة ” الطاهر ” كلها شخصيات منبطحة وتابعين و موالين لهذا النظام الفاسد وهي أساس وجوده  وقوته وتفشيه وسط المجتمع لانها تبيع جميع القيم والمبادىء وتتجاوز كل الخطوط الحمراء ويصبح كل شيء مباح ولا عجب ان يصبح النادل مالكا للخمارة و التابعي مالكا للجريدة ويموت ” الطاهر ” كمدا.

“سيكاتريس” جرح لم يندمل بعد وإنما غطى جراحا يمكن لها في أي وقت ان تستفيق بمجرد عودة الصراعات والنزاعات والحروب . العمل المسرحي هنا حاول معالجة الجروح بجميع أنواعها كالعلاقات الانسانية والبشرية، علاقة الرجل بالمرأة ، العلاقات المبنية على العنف، العلاقات المبنية على الوهم، على المال، صراع السلطة وأصحاب النفوذ والجهل والسلطة الموازية والمخفية والأيادي الغادرة والقاتلة لتنفيذ مآرب شخصية واغتيالات سياسية.

واقع اليوم يحكي أن لا الحرية نبتت بعد الثورة.. هي وهم فنهاية المسرحية تحيل على أن الحرية التي كسبناها أعطيت لنا  لأننا في النهاية تجدنا نتكلم ونعبر ونأخذ مواقف بكل حرية لكن دون جدوى ودون فعل او تغيير حقيقي لواقعنا، ذلك أن هناك من وراء الستار من يتحكم ويدرك أن هذه الحريات التي منحت للصحافيين وللشعب لن يفعلوا بها في النهاية شيئا.

 

ولكن شتان بين الثرا والثريا ولفاهم ان يفهم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق