الرئيسيةمسرح

معز مرابط : لا بد من تغيير واقعنا وإن لزم الأمر ثورة ثانية

مسرحية "قمرة دم"

يسري المهذبي – الأيقونة –

بعد غياب أربع سنوات يعود المخرج معز مرابط بمسرحية ” قمرة دم ” نص لبسمة العشي و تمثيل كل من مريم الصياح        وبسمة العشي وانتاج مسرح الحمراء، هذا العمل المسرحي هو  أولى كتابات بسمة العشي مع صياغة دراماتورجية لرضا بوقديدة،  بسمة العشي التي قدمت أدوارا ناجحة في مسرحيات للفاضل الجعايبي وفي نصها هذا  حكت عن فترة انتقالية عاشتها تونس.
ثمان سنوات عاشتها تونس لم نجد فيها سوى الكثير من الخيبات و الانكسارات ولكن هناك الكثير من الأمل الذي علينا أن نراه ونعتمد عليه كما يقول مخرج العرض معز مرابط فنص المسرحية كان صراعا جدليا بين أحلام مجهضة وآمال مدفونة نعمل على خلقها واحياءها من جديد من خلال ” خرافة ” لامرأتين في رحلة هروب في ليلة ” قمر دم ” بعد مقتل شاعرة في إحدى الساحات العامة.
رحلة عبارة عن سفر ذاتي ( voyage  initiatique ) حملت معها الكثير من المشاعر النبيلة والأحاسيس المرهفة تدل على عمق وجمال ذات كاتبة النص بسمة العشي ومدى حيرتها و ألمها ووجعها لحال بلاد وواقعه الممزق والمنكسر.
 خلق معز مرابط و بسمة العشي ومريم الصياح إلى جانب رضا بوقديدة  عالما ركحيا وروحيا موثثا بجمال الصورة والفرجة وبأداء حرفي وأنيق وإضاءة جعلت من الأحداث تبرز أكثر فأكثر فهي بطبعها عامل أساسي من عوامل الفرجة المسرحية،  أما الديكور فقد كان أشلاء متناثرة وإيقاعات موسيقية تسافر بك الى عالم آخر ، بالإضافة الى تقنيات الفيديو والسيرك ، عناصر وتركيبات اجتمعت في عمل إبداعي فني لتضعنا وسط كم من الأسئلة الوجودية وحيرة ذاتية كبيرة وقلق وأحيا تفكيرنا ونشط ذاكرتنا وأحاسيسنا  لنعيد ترتيب دفاترنا وأرشيفنا وتاريخنا.
حوار هادىء ، كتابة سلسة، نص مستساغ جعلت من المشاهد يعيش متعة فنية عما شاهدناه سابقا في كثير من العروض المسرحية من ضجيج وصياح وغوغاء وضوضاء فيقول معز مرابط انه أراد أن يعبر عن قوة الصراع بقوة الكلمة وهنا تعود بنا الذاكرة إلى قصيدة منور صمادح ” الكلمات”  حيث قال فيها “هي لحن بشري رددتـه الكلمات..نغم وقعه الإلهـام يرجو الكلماتورؤى سكرى تهادت في رياض الكلمات”

عن سبب اختياره لعنوان ” قمرة دم ”  اعتبر المخرج أنه تعبيرة عن الغوص في ذواتنا ( introspection )  يجمع بين  حدث فلكي استثنائي  واغتيال الشاعرة لتبنى أحداث المسرحية التي هي بحث عن “غول”  مخيف يلتهم احلامنا وأمانينا ومشاريعنا ويدفنها في غياهب المجهول.
كان لا بد بالنسبة للمخرج معز مرابط  أخذ مسافة والرجوع قليلا الى الوراء لتتضح الصورة القاتمة الخروج من الحيرة الموجعة فكان العرض دعوة الى دحر حالة اليأس والقنوط والعجز والاستسلام اللذين نخروا أجسادنا وقلوبنا وذواتنا لأننا بالفعل نحن اليوم على شفى حفرة من نار.
وفي سوْال عن أحداث المسرحية التي كانت وسط عالم مظلم ووجود ستار شفاف فصل بين الجمهور والركح والممثل ثم نهاية المسرحية التي كانت بمشهد سعي الممثلة إلى الانتحار نحو عالم آخر هروبا من هول الواقع يجيب صاحب العمل ان حالة العجز التي تملكتنا اليوم وصلت إلى أقصى حدّ وكل الاضواء الحمراء قد أشعلت في إشارة إلى خطر ما وصلنا اليه اليوم وما سنجنيه جراء هذا الغول المفترس الملتهم لكل ما هو جميل وإيجابي في هذا البلد الموجوع.
تلك القتامة كان لا بد أن تصل للمتلقي وأن يدركها ويحسّها والمعركة مازالت متواصلة لدحض كل متآمر على هذا البلد الجميل، ثم أردناها  رسائل قاسية لكثير من السياسيين الساعين لإقناعنا بان هذا هو مصيرنا المحتوم ثم من كل ذلك القبح هناك جمالية ما عبرت عنها من خلال مسار ضوء كخيط أمل يلزمنا ان نتشبث به لمحاربة  الجريمة والفساد والرشوة والانتماء إلى داعش والى الهجرة غير الشرعية ، كلها مشاريع اجرامية لنظام فاسد سارق ولا بد من تغيير واقعنا وان لزم الامر ثورة ثانية جديدة.
سألنا عن سبب اختيار المخرج للأشلاء المتناثرة على الركح وعن الستار العازل بين المشاهد والركح حيث اعتبرها متممات  سينوغرافية لغلق هذا العالم من ” الخرافة “،  أما الأشلاء فهي أحلامنا المجهضة وتقنيات الفيديو والاضاءة خدمت هذه الفكرة لكي لا تكون شيئا مسقطا ثم يضيف عالم المسرحية هو عالم داخلي بامتياز للدخول في كوامن الشخصيات، فهي مجموعة تجاذبات وصراعات داخلية لهذين الشخصيتين في علاقتهم ببعضهم البعض أولا ثم في علاقتهم بحادثة اغتيال الشاعرة ثانيا وبالتالي كان الحاجز هو إشارة إلى المشاهد كي يدخل معنا هذا العالم السحري ويعيش معنا هذا الصراع الذاتي.

شهادات عن “قمرة دم “

المخرج نوفل عزارة 
يقول المخرج المسرحي نوفل غزارة إن معز مرابط له نظرة مسرحية خاصة وهذا العمل يمكن أن يتموقع بين المسرح السيكلوجي والمسرح البسيكودرام ( psychodrame) ومسرح القسوة ( théâtre de cruauté) إنه رجوع إلى ذواتنا لأن التاريخ مكتوب في دواخلنا وأعماقنا وهو ليس التاريخ الموثق في الخارج، وجميع أدوات العمل من موسيقى وفيديو وسيرك وأداء جميعها أسست لرحلة ممتعة وجعلت من المتلقي يعيش الحيرة ويبحث عن أجوبة للعديد من الأسئلة الحارقة من خلال طرح جديد وصورة شاعرية للنص وهنا يكمن التكامل.
الممثل عبد المنعم شويات
يرى الممثل عبد المنعم شويات أن العمل هو اتخاذ المسألة بكل هدوء رغم القتامة الغالبة عليها وحالة اليأس المسيطر على أنفسنا ويمكن للطرح أن يكون دمويا لكنه اختار ان يكون سلسا وبكل هدوء يجعلنا نتساءل بأريحية و هدوء في مواضيع عاجلة وثورية، وهذا ما تراه فعلا وتحسه لدى أفراد الشعب التونسي حين سلم أمره لله ويسعى للانتحار وهنا الخطر الحقيقي .
المخرج حمادي المزي 
اعتبر المخرج المسرحي حمادي المزي مسرحية ” قمرة دم ”  اكتشاف وميلاد كاتبة عظيمة بسمة العشي و المسرحية  تندرج في سياق ما بعد الدراما مؤكدا أن هذا العمل خلق فرجة ممتعة وحاكى واقعنا من زاوية أخرى غير معهودة في المسرح التونسي ما بعد ما يُسمى بالثورة.
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق