الرئيسية

مقتطفات من ترجمة المنتصر الحملي لـ”ثلاثية الجرذ”

يستعد الشاعر والمترجم المنتصر الحملي لإصدار ترجمة “ثلاثية الجرذ” للكاتب الياباني هاروكي موراكامي عن دار مسكلياني للنشر وقد ارتأت صحيفة “الأيقونة” كشف مناخات هذه الرواية عبر إصدار مقتطفات منها حسب اختيار المترجم نفسه، فجاءت هذه المقتطفات من رواية “مطاردة الخراف الجامحة” وهي الجزء الثّالث من “ثلاثيّة الجرذ”.

  • رسالة الجرذ الثّانية، مختومة بتاريخ ماي 1978

أتساءل ما إذا كنت مهذارا قليلا في رسالتي السّابقة. ومع ذلك، ما عدت أتذكّر على الإطلاق ما كتبته فيها.

انتقلت مرّة أخرى إلى مكان آخر. والمكان الّذي أنا فيه هذه المرّة لا يشبه في شيء الأماكن الّتي عرفتها حتّى الآن. إنّه هادئ جدّا. أكثر من اللّزوم، ربّما.

ولكنّ هذا المكان، إلى حدّ ما، هو تتويج لي. فأنا هنا لأنّي اضطررت إلى المجيء إليه، بيد أنّي أعتقد كذلك أنّني تمكّنت من الوصول إليه سباحةً ضدّ التّيّار. لست قادرا على إجراء أيّ تقويم في هذا الموضوع.

ما أكثر حشوي! كلامي غامض للغاية لدرجة أنّك لست مطالَبا بفهم أيّ شيء. ولعلّك تظنّ أنّي أحاول أن أضفي على مصيري أهميّة أكبر ممّا له. وغنيّ عن القول إنّ المسؤولية الكاملة تقع عليّ.

غير أنّي أودّ منك أن تدرك هذا: إنّ خطابي يتحوّل إلى أشلاء كلّما حاولت أن أشرح لك جوهر الموقف الّذي أجد فيه نفسي. ولكنّي صادق معها، كما لم يكن أحد من قبل.

لنتحدث عن أشياء ملموسة.

المكان، كما ذكرتُ من قبل، في غاية الهدوء. وبما أنّه ليس لديّ أيّ شيء آخر لأقوم به هنا، فإنّي أقضّي أيّامي في القراءة (لن تكفي عشر سنوات لقراءة كلّ الكتب الموجودة هنا)، وفي الاستماع إلى برامج الموسيقى على أف أم، وإلى  الاسطوانات (لديّ من هذه أيضا كمّية لا بأس بها). لقد مرّت عشر سنوات منذ أن استمعت إلى الكثير من الموسيقى دفعة واحدة. يصيبني ذهول لرؤية أنّ رولينغ ستونز أو بيتش بويز ما فتئوا صامدين. الزّمن على ما يبدو شيء مستمرّ بشكل يائس.. فمع عادتنا في رسم كلّ شخص وفقا لمقاييسه، سينتهي بنا الأمر إلى أن نصبح فريسة للأوهام، ولكن استمراريّة الزّمن لا تتزعزع.

لا وجود هنا لمقاييس شخصيّة مهمّة. لا أحد يمدح مقاييس الآخرين أو يقدح فيها على ضوء مقاييسه الخاصّة، فالوقت يمضي كما يأتي، مثل نهر شفّاف. هنا، أشعر أحيانا بأنّ كل شيء في داخلي يتحرّر، وصولا إلى طبيعتي الأصليّة. فعندما أرى سيّارة مصادفة على سبيل المثال يستغرق الأمر منّي عدّة ثوان كي أدرك أنّها سيارة. لديّ بالطّبع نوع من المعرفة الأساسيّة بالأشياء، ولكنّ عمليّة التّبادل مع الوعي التّجريبي لم تعد تعمل بشكل جيّد. هذا النّوع من الظّواهر يتواتر عندي تدريجيّا في هذه الآونة الأخيرة. ربّما كنت أعيش وحيدا منذ فترة طويلة جدّا.

ساعة ونصف بالسّيارة للوصول إلى أقرب مدينة. هذا إذا كان من الممكن أن نسمّيها مدينة. إنّها صغيرة للغاية، بل مجرّد هيكل عظميّ. لا يمكنك تخيّلها. لنقل إنّها مدينة على أيّ حال. نجد فيها ملابس و طعاما وبنزينا. وإذا كنت مصرّا، يمكنك حتّى أن ترى فيها وجوها.

ولأنّ الطّرقات تتجمّد خلال فصل الشّتاء، فلا يمكن لأيّ سيّارة تقريبا أن تتجوّل. وبما أنّ حوافّ الطّرقات مغطاة بأراض مستنقعيّة، فإنّ التّربة نفسها مجمّدة مثل مثّلجات. ونظرا لأنّ الثّلج يتساقط فوقها، لا نعرف بالضّبط أين يبدأ الطّريق وأين ينتهي. إنّه مشهد طبيعيّ حقيقيّ من أطراف الدّنيا.

وصلت إلى هنا في أوائل شهر مارس. لقد عبرت هذا المشهد الطّبيعيّ على متن سيّارة جيب مجهّزة بسلاسل. كنت أخالني ذاهبا إلى المنفى في سيبيريا. نحن الآن في شهر ماي، وقد ذاب الثّلج تماما. في أفريل، يُسمَع صوتُ الانهيارات الجليديّة المنبعث من طيّات بين الجبال، دون انقطاع. هل سمعتَ ذلك من قبل؟ بعد الانهيار الثّلجيّ يعمّ الصّمت. صمت حقيقيّ، مثاليّ. صمتٌ مطلق، لدرجة أنّني على وشك ألاّ أتذكّر على الإطلاق أين أنا. إنّه الهدوء العظيم.

منعزلا في هذه الجبال، لم أنم مع فتاة منذ حوالي ثلاثة أشهر. الأمر في حدّ ذاته ليس سيّئا، ولكنّي لو أستمرّ في هذا الطّريق، فسوف أفقد الاهتمام بالنّاس على ما أعتقد، وأنا لا أرغب في ذلك حقّا. لذلك أحدّث نفسي بأنّه بمجرد أن يصبح الجوّ أكثر دفئا، سأزيل عن ساقيّ الصّدأ، وسأسعى باحثا عن فتاة في مكان ما. لا أقول هذا تباهيا، ولكنّ العثور على فتاة ليس معقّدا للغاية بالنسبة إليّ. وإن شئتُ – يبدو لي أنّ كونى هو كونُ “إن شئت” – فأنا قادر على توظيف الجاذبيّة الجنسيّة قليلا. وهكذا تقع الفتيات في أحضاني بسهولة نسبيّة. أودّ أن أقول إنّ المشكلة هي أنّني لا أستطيع التّعوّد على  هذا الخيار. أعني أنّني، في مرحلة ما، لم أعد أعرف من هو على المحكّ، أنا نفسي أم جاذبيّتي الجنسيّة. مثلما لا نعرف أين ينتهي لورنس أوليفر وأين يبدأ عطيل. في منتصف الطّريق، أشعر بأنّني ما عدت قادرا على استعادة عاطفتي، لذلك أتخلّى عن كلّ شيء، بأن أختلق المشاكل لجميع النّاس. لم تكن حياتي حتّى الآن، إذا جاز التعبير، إلاّ تكرارا لانهائيّا لهذا الشّيء نفسه.

لحسن الحظّ (هو حقّا حسن)، لم يعد لديّ ما أتخلّى عنه اليوم. إنّه إحساس رائع. وإذا كان هناك شيء آخر لم أتخلّ عنه بعدُ، فلا يمكن أن يكون إلاّ أنا نفسي. التخلّي عن نفسي، يا لها من فكرة شديدة الإغراء! كلاّ … هناك بعض الشّقشقة في هذه الجملة. على الرّغم من عدم وجود ما يثير الشّفقة على الإطلاق في الفكرة في حدّ ذاتها؛ فالجملةُ هي الّتي تجعلها على هذا النّحو.

هذا شيء محرج.

عمّ كنت أتحدّث إذن؟

عن الفتيات.

جميعهنّ لا ينفصلن عن درج جميل محشوّ إلى آخره  بأغراض عتيقة لا معنى لها. أنا أحبّ تلك الأشياء كثيرا. يمكنني أن أحصل على كلّ هذه الأغراض الرّثّة غير المرغوب فيها غرضا تلو الآخر، وأنفض عنها الغبار وأجد لها معنى ما. هو ذاك جوهر الجاذبيّة الجنسيّة في النّهاية. ولكن لا يسألَنّي أحد إلامَ يقودني هذا، لأنّه لا يؤدي إلى أيّ شيء. وإلاّ فإنّ كلّ ما ينبغي عليَّ القيام به هو أن أكفّ عن أن أكون أنا نفسي.

في هذه اللّحظة، أنا لا أفكّر تفكيرا خالصا إلاّ في الحبّ. وعندما ينصبّ اهتمام المرء بطريقة خالصة على هذه النّقطة الوحيدة، فإنّه لا فائدة من السؤال عمّا إذا كان مثيرًا للشّفقة أو لا.

كما هو الحال عندما نشرب الجعة على شاطئ البحر الأسود.

أعدت قراءة ما كتبتُه. ثمّة بعض التّناقضات الصّغيرة، ولكنّني، وأنت تعرفني، وجدت نفسي صادقا. فالمقاطع المملّة هي الأفضل على الإطلاق.

في الواقع، أنا لا أرى كيف يمكن أن يكون هذا الخطاب رسالة موجّهة إليك. فعلى الأرجح أنّ هذه الرّسالة موجّهة إلى مكتب البريد فقط. ولكنّي أرجو ألاّ تجد هنا ذريعة للعتاب. ولتعلم أنّني بحاجة إلى ساعة ونصف في سيّارة جيب للوصول إلى أوّل مكتب بريد.

ومن هنا، هذه الرّسالة هي موجّهة إليك أنت فقط.

سأطلب منك خدمتين. ولا واحدة منهما مستعجلة، وسوف تنتهي منهما متى تشاء. ستساعدني كثيرا بقبولك. قبل ثلاثة أشهر، تقريبا، ما كنت لأستطيع أن أسألك أيّ شيء. أمّا اليوم، فأستطيع. إنها بالفعل خطوة إلى الأمام.

الطّلب الأوّل ذو طابع عاطفّيّ نوعا ما. وبعبارة أخرى، يتعلّق الأمر “بالماضي”. عندما غادرت مدينتنا منذ خمس سنوات، كنت في حالة من الارتباك ومن العجلة حتّى أنّي نسيت أن أودّع الكثير من النّاس. وبشكل واضح، أنا أعنيك أنت ودجاي وفتاة لا تعرفها. فيما يخصّك أنت، أعتقد أنّه مازال بإمكاني أن أراك مجدّدا وأقول لك وداعا، أمّا بالنسبة إلى الاثنين الآخرين، فلا أعتقد أنّ الفرصة ستتاح لي لأقوم بذلك. أودّ أن أطلب منك إذن أن تنقل لهما تحيّة وداعي عندما تعود إلى حيّنا في مناسبة مّا.

يجب أن أكون سخيفا جدّا لأطلب منك ذلك، أنا مدرك تماما. أنا في الحقيقة من يجب عليه أن يكتب لهما. ولكن لأكون صريحا، أودّ منك أن تعود إلى هناك وأن تلتقي بهما شخصيّا. لأنّي أعتقد أنّ نواياي ستصلهما هكذا بشكل أفضل بكثير من أن تصلهما من خلال رسالة منّي. ستجد مع هذه الرّسالة عنوان الفتاة ورقم هاتفها. فإذا كانت قد انتقلت إلى بيت آخر، أو تزوّجت، فما باليد حيلة. أفضّل حينئذ أن تعود إلى بيتك دون أن تلتقي بها. أمّا إذا كانت ما تزال تعيش في نفس العنوان، فاذهب إليها وبلّغها تحيّاتي.

بلّغ تحيّاتي أيضا إلى دجاي. وآغتنم الفرصة لتشرب نصيبي من الجعة.

ذاك هو طلبي الأوّل.

أمّا الثّاني فصعب تصديقه إلى حدّ مّا.

سأضع صورة في المظروف. صورة لخرفان. وأودّ منك أن تضعها في مكان ما، في أيّ مكان، لا يهمّني، ولكن بطريقة تجعل الجميع يراها جيّدا. إنّها لنزوة فظيعة، ولكن لا أحد غيرك بإمكاني أن أطلب منه شيئا كهذا. أنا على استعداد لأتنازل لك عن جاذبيّتي الجنسيّة كلّها، ولكنّي أرجوك أن تحقّق لي هذا الطّلب على الأقلّ. ومع ذلك، لا أستطيع أن أخبرك بأسبابي. هذه الصّورة هي من الأهمّية عندي بمكان. ذات يوم، في وقت لاحق، سيكون بوسعي أن أشرح لك، على ما أعتقد.

أرفق رسالتي بصكّ بنكيّ. سوف تستخدمه لتغطية مصاريفك. لا تقلق بخصوص المال. فحيث أنا مقيم، يقلقني بالأحرى أنّني لا أعرف ماذا أصنع به، ثمّ يبدو لي أنّ هذا هو الشّيء الوحيد الّذي يمكنني فعله الآن على أيّ حال.

لا تنس، قبل كلّ شيء، أن تشرب نصيبي من الجعة!

وأنا أحاول إزالة الغراء من الملصقة المكتوب عليها “للمتابعة”، جعلتُ الختم غير قابل للقراءة. يحتوي المظروف على صكّ بنكيّ بمبلغ مائة وخمسين ألف ين، وورقة كُتب عليها اسم الفتاة وعنوانها، وصورة لخرفان بالأبيض والأسود.

كنت قد سحبته من صندوق البريد عندما خرجت لقراءته أخيرا وأنا جالس خلف مكتبي. كانت الورقة الخضراء الشّاحبة هي نفسها في المرّة السّابقة وتمّ إصدار الشّيك من بنك في سابّورو. ممّا يوحي بأنّ الجرذ كان في جزيرة هوكّايدو.

إنّ المقطع الّذي يصف الانهيارات الثّلجيّة جعلني في حيرة من أمري شيئا مّا، ولكن على العموم، كما كتب هو نفسه، كانت رسالته صادقة تماما. فتحت درجا في مكتبي، وألقيت في أسفله المظروف بمحتوياته.

لقد كان ربيعا كئيبا، خاصة وأنّ علاقتي مع زوجتي بدأت تتدهور. أربعة أيّام مرّت ولم تعد بعدُ إلى المنزل. كان الحليب داخل الثّلاّجة تنبعث منه رائحة لا تطاق، وكانت القطّة لا تزال جائعة. وعلى المغسل، جفّت فرشاة أسنانها تماما، وذبُلت مثل أحفورة. كان الرّبيع يلقي ضوءا واهنا على هذا الدّيكور. الشّمسُ، على الأقلّ، دائمة الحضور هنا.

طريق مسدود مُطوّل… لعلّها كانت على حقّ.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق