ملحمة بن قردان.. عندما يكون الشعب والجيش والأمن يدا واحدة في مواجهة الظلامية

ليلى العوني – الأيقونة الثقافية

“بن قردان” تلك المدينة الحدودية المفقرة عمدا والمهمشة من كل الحكومات المتعاقبة منذ فجر الإستقلال إلى اليوم، كانت مدينة منسية لا أحد يكترث لها ولا لأهميتها الكبرى جغرافيا وطاقيا وسياسيا إلى حدود مارس 2016 حيث رسم الجيش والأمن والشعب ملحمة تاريخية لن تتكرر ولن تنسى على مر الزمان جعلت هذه المدينة الصغيرة حديث العالم كله، ملحمة ستذكرها الأجيال القادمة بكل فخر لم تستفد منها الحكومات السابقة في تنمية المنطقة ورد الجميل لأهال رغم فقرهم وتفقيرهم وإحتياجهم لم يذعنوا للظلاميين وبذلوا الدم والروح في سبيل الوطن.

اليوم ونحن في الذكرى الخامسة لهذه الملحمة التاريخية، نظم مركز محمد البراهمي للسلم والتضامن مساء يوم الجمعة 12 مارس 2021 ندوة فكرية حول “إنهيار مشروع داعش على أبواب بن قردان” وفيها إستضافت رئيسة المركز مباركة البراهمي أرملة الشهيد كل من الدكتور عبيد خليفي المختص في الحركات الجهادية الإسلامية والأستاذ محمد ذويب صاحب أول كتاب عن أحداث بن قردان سنة 2016 والذي يحمل عنوان “ملحمة بن قردان: أسرار وخفايا معركة مارس 2016”.

مفهوم المخزون لدى الحركات الجهادية

إستهل الندوة الدكتور عبيد خليفي بإلقاء محاضرته تحت عنوان “المرجعيات للتنظيمات الجهادية” وقد ركز على الجزء البنيوي لهذه التنظيمات الإرهابية التي تقوم على مفهوم المخزون ولها ثلاث مخازن: المخزون العقائدي، التنظيمي وسلاح المال. بالنسبة للمخزون العقائدي قال الدكتور الخليفي “بحثي أوصلني إلى نتيجة مفصلية في الحضارة العربية الإسلامية أو في المقاربة السياسية لهذه الحضارة وهي أن السياسة شهدت تحولا من الإسلام العالم إلى الإسلام العامي وذلك من سنة 1920 إلى 1930. كان يقود الإسلام العالم كل التنويريين أمثال محمد عبده، الأفغاني، خير الدين التونسي…وكانت أجوبتهم على كل الإشكاليات الدينية والدنيوية أجوبة فلسفية علمية دقيقة ولدى سؤالهم عن سبب تخلف المسلمين كانت إجابتهم أن الإشكال ليس في الإسلام إنما في الذهنية الإسلامية..”

سرعان ما فشلت تجربة التنوير وذلك لسبيين رئيسيين: السبب الأول وهو مستوى الأمية المرتفع لدى عموم الشعوب المسلمة حيث بلغت نسبة الأمية 80% والسبب الثاني هو خضوع أغلب الدول العربية المسلمة إلى الإستعمار المباشر الأجنبي.

هذا الفشل أفرز تصورا حديثا لمفهوم “الصحوة ” أو ما أسماه الخليفي الإسلام العامي أو الإسلام الحركي الذي كان يقوده حسن البنا بداية من سنة 1928 وهو ما أفرز الحركات الإرهابية ومفهوم الجهاد…فقد كان البنا معلم إبتدائي وهو ليس تقليلا من مهنة المعلم إلا أن الواقع يقول أن تعليمه محدود غير قادر على إنتاج مشروع فكري عميق.

أما المخزون التنظيمي فقد أوضح محدثنا أنه يرتكز أساس في ثلاث مناطق، في مصر سنة 1928 متى أعلن حسن البنا عن تأسيس جماعة الإخوان المسلمين وأصدر في نفس الوقت رسالته في الجهاد، في ولاية حيدر أباد بالهند حيث أصدر أبو الأعلى المودودي رسالته في الجهاد و أخيرا تجربة الدولة السعودية التي تأسست بفكر محمد بن عبد الوهاب سنة 1927. اللحظة التي سيتم التفاعل الثلاثي سيتشكل الإسلام الحركي في أول قوته ليكون بديلا عن الإسلام التنويري. كانت التجربة الهندية والسعودية محكومة بالقوى العظمى في العالم وقتها وعلى رأسها الممكلة البريطانية وقتها فلم تنتشر خارج دولها، ماعدا مصر حيث أراد حسن البنا تطبيق نظرية الأخطبوط المبنية على عقيدة إستطاعة جماعة الإخوان وقدرتها على إقامة الدولة الإسلامية بديلا للخلافة الإسلامية التي سقطت في تركيا.

والمخزون الثالث وهو سلاح المال، فالمال قوام الأعمال ولا يمكن دونه تحقيق نتائج ملموسة واقعية وهو سلاح في حد ذاته شأنه شأن السلاح المادي والموارد البشرية.

التنظير للإرهاب

نظّرت هذه الجماعات عن طريق مفكرين ينتمون لها للإلتزام الصارم بمبادئ الجماعة وقيمها وفي نفس الوقت نظّرت للمراوغة السياسية وطنيا وإقليميا ودوليا دون أن تجد حرجا في ذلك..بالنسبة لهم كل تصرف تقوم به الجماعة له مبرر..

كلما إختنق الإسلام الحركي كشر عن أنيابه وتحول لجماعات إرهابية وذلك بسبب إعتقاده الراسخ أنه يمتلك الحقيقة المطلقة تجعل كل مخالف له هو جاهل ومنها نشأت فكرة الجاهلية لسيد قطب المأخوذة من أبو الأعلى المودودي والتي أخذها بدوره من ابن تيمية. في السعودية أخطر الأنظمة الإخوانية وأشنعها لأنه مربوط بإسلام الدولة حيث يكون الفقيه هو المشرع لسلطة الحاكم والمدافع عنها وهو من يعطي للسلطة السياسية الحق في ممارسة إرهاب الدولة.

وفي كلمته ألقى الأستاذ محمد ذويب الضوء على تفاصيل أحداث ملحمة بن قردان مارس 2016 حيث أوضح أن كتابه ينسقم إلى ثلاث عناصر ، يتمثل العنصر الأول في دراسة إجتماعية، إقتصادية، سوسيولوجية، قبلية…لمنطقة بن قردان. العنصر الثاني متمثل في تفسير ظاهرة التهريب في تونس خاصة في المناطق التي تغيب فيها الدولة وخاصة تهريب السلاح. العنصر الثالث توصيف لملحمة بن قردان من خلال دراسة كرونولوجية.

ملحمة بن قردان… أسرار وتفاصيل

كانت كتيبة البتّار أو العراة أخطر كتائب داعش وأعنفها على الإطلاق حتى أن بقية الكتائب إشتكت من دمويتها وعنفها.. وهي المكلفة بحراسة قيادات داعش وقد فقدت العديد من عناصرها وتقاتلت مع كتائب داعشية أخرى… هاجرت إلى سوريا ثم عادت إلى ليبيا عندما إنهارت وكان قيادي منهم يدعى معز الفزاني مكلف بإستقطاب وبتجميع المجاهدين وتدريبهم وهو من أخطر الإرهابيين حيث كان يتاجر في البشر وفي السلاح. توجهت الكتيبة إلى ليبيا أين بايعت داعش ثم بدأت التخطيط للهجوم على تونس.عنصر إرهابي آخر يدعى محمد بن محمد الغربي هدد على مواقع التواصل الإجتماعية بصفة علنية بالهجوم على تونس.

البداية كانت غرة شهر مارس على الحدود التونسية الليبية عندما إعترض ثلاث سيارات ليبية على متنها 15 مسلحا راعي أغنام في سيارته يحمل العلف لحيواناته وشنوا هجوما مسلحا عليه، هرب الراعي وإتصل بالأمن وروى لهم ما شاهده وحذرهم أنهم قد يجتازون الحاجز الترابي ويصلون تونس في الغد صباحا وهذا ما حدث فعلا فعندما وصل الإرهابيون إلى الحاجز الترابي وجدوا راعيا سودانيا ومعه معاونوه وتحت تهديد السلاح أمروهم بردم الحاجز الترابي وقد إستغرق ردمه قرابة ثمانية ساعات.

دخل الإرهابيون التراب التونسي يوم 2 مارس 2016 إلى مسلك فلاحي إسمه العامرية. تفطن مواطن لهم حيث وجد لديهم خنجر ومخزن أسلحة كلاشينكوف بسرعة إتصل بالأمن إلا أنه لم يتحرك بالنجاعة المطلوبة وتحركت سيارة أمن وحيدة صوب مكان الإبلاغ. عندما رآها الإرهابيون هربوا إتجاه أشجار الزيتون وحي الغندل السكني. منطقيا سيارة أمنية وحيدة لا يمكن بأي شكل مواجهة ثلاث سيارات على متنها 15 مسلحا تراجعت السيارة الأمنية وطلبت المدد وفي ذلك الوقت هربت سياراتان للإرهابيين داخل الحي السكني وإختفتا…عند قدوم التعزيزات من الحرس والجيش الوطني تمكنت القيادات الوطنية من القضاء على خمسة إرهابيين وهو ما يسمى بأحداث العويجي 2 مارس 2016 وإستشهد خلالها مواطن تونسي عن طريق الخطأ.

يوم 3 مارس 2016 أصدرت وزارة الداخلية بيانا فيه قائمة بأربعة عناصر إرهابية خطيرة متواجدة بالتراب التونسي في مدينة بن قردان وأعلمت المواطنين عن واجبهم بالإبلاغ عنهم.. وهم معز الفزاني وأحمد الكردي ومفتاح مانيطا وعادل الغندري.

ليلة 4 مارس 2016 بدأ الكشف عن الهجوم المرتقب للإرهابيين وذلك من خلال إقتحام متجر للموالح للتمويه لأحمد المدبوري يخفي رواء بعض الموالح جميع أنواع الأسلحة تمت مصادرة الأسلحة وإيقاف المسؤول عنها وهو نجيب مانيطا شقيق الإرهابي مفتاح مانيطا وعند التوجه لمركز الإيقاف بالقرجاني لإستجوابه في منطقة تدعى الوحمية بن مدينة بن قردان ومدنين

كان الهجوم مقررا يوم 20 مارس 2016 إلا أن الإيقاع بنجيب وخاصة مفتاح مانيطا الذي كان سيصبح الأمير على منطقة بن قردان والذي يعرف تفاصيل الهجوم قررت الجماعة الإرهابية تقديم موعد الهجوم إلى يوم 7 مارس حتى لا يكتشف كل مخططهم وتضيع عليهم فرصة الإستيلاء على المنطقة.

الشعب يحسم المعركة لصالح الوطن

يوم 7 مارس على الساعة الرابعة والنصف مساء وعلى خمسة مناطق تم تحديدها من قبل الإرهابيين مسبقا وهي منطقة الشرطة، منطقة الحرس، مركز الحرس، المعتمدية، ثكنة جلاّل والتي تقع خارج مدينة بن قردان بحوالي 7 كيلومتر طريق مدنين، بدأ الهجوم في هذه المناطق بفوارق زمنية قصيرة بحوالي خمس دقائق. وكان هجوما خطيرا وعنيفا وكانت ردة الفعل الأمنية عموما مقبولة وكان الأمنيون متضامنين فيما بينهم والأهم من ذلك كله هو نصرة أهالي بن قردان العظام جيشهم وأمنهم وإصطفافهم يدا واحدة مع وطنهم ضد الإرهاب والتطرف والظلامية الأمر الذي كان خارج توقعات الإرهابيين إذ كانوا يعتقدون بغرورهم المزعوم وجهلهم الواهم أن منطقة حدودية مهمشة ومحافظة ستختار الإرهاب والدم على أنه الدين الحق ضد الجيش الوطني الأبي والأمن الوطني فكعس شعب بن قردان الأبي توقعاتهم وجعل كيدهم في نحورهم في صورة بطولية عذبة رغم المحن لا مثيل لها في جميع الدول العربية شكلت ملحمة تاريخية لن تتكرر عن وطنية الشعب التونسي ووعيه وثقافته ووسطيته ونبذه للعنف والإرهاب بكل أشكاله ورغم ما يتعرض له من ظلم الحكومات المتعاقبة إلا أن الشعب من الشمال إلى الجنوب يعرف الفرق جيدا بين قدسية الوطن ودناسة السياسة.

من حسن حظنا وسوء حظ الإرهابيين أنهم لا يمتلكون الخبرة الكافية في السلاح ويبدو أنه كان مخزنا فترة طويلة في تونس فتعطل أغلبه ولم يعد صالحا للإستعمال. الأمني نبيل الخليطي هو من قام بالقضاء على مفتاح مانيطا المكنى بأبا محمد الزعيم المرتقب للإمارة التي لم توجَد.. وكانت الضربة القاضية التي أفشلت كل الهجوم ووقع حسم المعركة. ما بقي بعد ذلك هجومات متقطعة حتى العاشرة صباحا من اليوم الموالي، تم بعدها مجموعة من الإيقافات والمداهمات كشفت عن عديد مخازن الأسلحة المتواجدة في المنطقة.

دولة قطر مصدر تمويل الإرهاب

إستمرت هذه العمليات إلى يوم 25 مارس يوم القبض على الإرهابي محمد الكردي الذي كان سيُعلَن خليفة لمفتاح مانيطا في المخطط البديل لهم وكان أيضا محمد بوسبيع سيشغل منصب قاضي شرعي، وكان في مخططهم الإستيلاء على ثلاث مناطق أخرى وهي رمادة وذهيبة والبرمة وهي مدن تتميز بنفس الخصائص مدن حدودية تتمتع بالنفط والطاقة وأهلها محافظون ويوجد داخلها الكثير من المهربين وهم في علاقة عداوة مع الجيش. لا ننسى أيضا دور دولة الجزائر التي أحبطت تدفق الإمدادات البشرية للإرهاب وإمدادات السلاح الذي تبين بعد فحصه والإتصال بوزارة الدفاع الأمريكية أنه سلاح إشترته دولة قطر تم المشاركة به في الإطاحة بنظام معمر القذافي ثم إنتقل إلى الجزائر ومنها كان سينتقل إلى تونس.

الخسائر البشرية للتونسيين كانت في حدود 22 شهيدا بين مواطنين وأفراد جيش وحرس وتم القضاء على 36 عنصر إرهابي وتم القبض على 50 عنصرا آخر كما تم إصدار بطاقات تفتيش في عدد من العناصر الأخرى. ومنذ ذلك التاريخ العظيم مارس 2016 إنتهت وبلا رجعة أحلام داعش في السيطرة على تونس ولم يبق في تونس حاليا سوى بعض الخلايا النائمة والذئاب المفردة وبعض التفجيرات الفردية هنا وهناك دون هدف محدد أو نتائج ملموسة على أرض الواقع.