منتدى الفكر التنويري التونسي يحتفي بالطاهر شريعة بعد تلكؤ وزارة الثقافة إحياء الذكرى العاشرة لوفاته

ليلى العوني – الأيقونة الثقافية

أبو السينما التونسية، أبو السينما الإفريقية، الأب المؤسس لأيام قرطاج السينمائية، باعث الجامعة التونسية لنوادي السينما…ألقاب عديدة أطلقت على المبدع الطاهر شريعة وهو أهل لها ويستحقها لما قدمه من عطاء منقطع النظير للسينما التونسية وإشعاعها إقليميا ودوليا والذي يُقابَل في السنوات الأخيرة بالجحود والتلكؤ في إحياء الذكرى العاشرة لوفاته في عهد الظلامية والجهل والكره الذي تعيشه تونس حاليا والذي يتهم شريعة بالكفر والزندقة والفساد فقط لأنه أحب السينما!

ونتيجة لأخبار مؤكدة تتقاذفها الألسن والآذان حول عدم رغبة وزارة الشؤون الثقافية إحياء ذكرى الراحل الطاهر شريعة قرر الأستاذ محمد المي مدير منتدى الفكر التنويري التونسي إعادة الإعتبار للراحل وتمجيد ذكراه رغم أن المنتدى متخصص في الإحتفاء بالأدباء والكتّاب حصرا.. وقد إستضاف بهذه المناسبة للحديث عن منجزات ومناقب المبدع الراحل ثلة من أشهر سينمائيي ومسرحيي ونقاد تونس وهم أحمد الحاذق العرف، منصور مهني، محمد المديوني، فتحي خراط، هشام بن عمار، سنية الشامخي، منصف بن مراد وسعيدة بورقيبة.

لم يكن الطاهر شريعة مؤسس أيام قرطاج السينمائية ومهرجان واغادوغو للسينما الإفريقية فحسب بل كان مؤسس السينما التونسية وواضع لبناتها الأولى وركائزها الأساسية في زمن كانت الدولة الوطنية الفتية في أشد الحاجة لمن ينهض بمشروعها التحديثي في شتى القطاعات والميادين. وقد كان مصرا على ترسيخ مقومات سينما وطنية متجذرة في تربتها رغم رياح المناهضة العاتية والعداوات المتخفية والمعلنة والمكائد التي دُبرت له وأدخلته السجن لأشهر..ورغم ذلك لم تفتر همة الطاهر شريعة ولم تتزعزع فيما رآه وإرتآه من أقوم المسالك للنهوض بالسينما التونسية…

الطاهر شريعة الشاعر والمترجم

كان الطاهر شريعة بحكم تدريسه للأدب، مسكونا بالحس الإبداعي سواء فيما يكتبه من أشعار وما يترجمه للآخرين من اللغتين العرية والفرنسية فهو المترجم لعمر بن أبي ربيعة ولابن زيدون من العربة إلى الفنسية وهو المترجم من الفرنسية إلى العربية قصائد الجزائرية آنا فريكي وآسيا جبار كما ترجم النثر لأب القصة التونسية علي الدوعاجي حيث قدم من خلال ذلك نظرته الخاصة للترجمة الذتي أراد من خلالها أن يتموقع في عملية الترجمة بمختلف أنواعها والموضوع متعلق بمقولة أن الترجمة خيانة وفي خضم ذاك الجدل كأننا بالطهر شريعة يقول أن “الترجمة خيانة أو لا تكون” فهو يؤكد على إستحالة الترجمة الوفية كليا للنص الأصلي وبالتالي التأكيد على نسبية نجاح أي ترجمة إذ يبين الطاهر شريعة أن عمله معرض بطبعه إلى عيوب النقص والتجاوز والتشويه وحقيقة الأمر أن شريعة أراد من خلال تلك الحيلة البلاغية تمرير تصوره للترجمة كإبداع جديد على إبداع سابق يتحمل فيه المترجم مسؤولية الترجمة كإبداع حقيقي يتجاوز النقل والتعريب والتحويل.

وهو أيضا من المجيدين لفن المراسلة كما تؤكد ذلك رسائله إلى أصداقه وصديقاته التي تعد تحفا فنية ودررا مكنونة في فن يكاد ينقرض من المدونة العربية المعاصرة.

الطاهر شريعة الأديب

وكل من عرف الطاهر شريعة عن قرب لا يمكن أن يغفل عن صفة الأديب فيه وقد كان مولعا بالأدب وأعلامه وكثير المطالعات الأدبية تلميذا وطالبا لعيون الفصاحة وأساطير البيان ورجال الفكر عربا وغربا أمثال ميخائيل نعيمة وجبران ومحمود المسعدي وطه حسين وجون بول سارتر وكامو وكير كيغارد…وكم كانت نصوصهم مؤثرة في شخصية شريعة بحيث جعلته متشبثا بالحرية اساسا للإبداع وبالرفض والتمرّد والتحدي الدائم للقوالب الجاهزة.

ولعل ما يبعث على التعجب والإعجاب في هذا الشأن هو أن الطاهر شريعة كان في شبه قطيعة مع اللغة العربية لولا أستاذه عبد الوهاب باكير من حيث تعديل المسار وأستاذه محمود المسعدي من حيث تثبيته. وقد فسر الطاهر شريعة هذا الأمر بإطناب في كتابه “ونصيبي من الرفض” قائلا “إن ديني لهذيم الإثنين (أي باكير والمسعدي) لا قدرة لي على تقييمه”.

وكلما قرأتَ للطاهر شريعة، سواء بالعربية أو الفرنسية، وقفتَ على حنكة في صياغة التعبير اللغوي وعن إمتلاك لآلياته طبقا للهدف المنشود من كل نص وعلى نسق جملته وحسن تركيبة للخطاب بما يقتضيه جنسه إن هو شاعري أو حجاجي أو تعليمي أو غير ذلك.

الطاهر شريعة أب السينما التونسية

كانت سمعة الطاهر شريعة المولع بالسينما هي مدخل وزير الثقافة المؤسس الشادلي القليبي للتواصل معه وطلبه من شريعة الإلتحاق بالوزارة وتكليفه بإنشاء إدارة خاصة بشؤون السينما. وفي وقت قصير إستطاع شريعة أن يبني أركان هذه الإدارة بعد إنتخابه لعدد من معاونيه من بين أحباء السينما ومنذ العام الأول إنطلق عمل هذا الفريق متميزا بقوة التنظيم ونصاعة الأهداف.

ولئن إقترن إسم الطاهر شريعة بأيام قرطاج السينمائية إلا أن الرجل قام من خلال إدارته لشؤون السينما بجمة من الأعمال الواعية والمركزة تجاوزت المهرجان.. وشملت وضع النصوص القانونية والتراتيب الإدارية ونظيم العلاقات مع الخارج، ذلك أن تونس تستورد الأفلام بما يقارب 100%وسوقها ضيقة لا تمكّن من بعث إنتاج وطني ذي مردود تجاري وشبكات التوزيع تهيمن عليها مصالح تجارية عالمية يهمها الربح بدرجة أولى لكن ذلك لم يمنع من وضع المشاكل موضع الدرس والعمل على حلها بأناة وصبر، وفي طليعتها الطموح أن يكون لتونس كلمتها في قطاع التوزييع نوعا وكما بإعتبار إختياراتها الثقافية والإجتماعية.

من أهم القضايا التي إهتم بها الراحل هي نشر الثقافة السينمائية بمختلف الوسائط في المدن والأرياف وخاصة بواسطة المهرجانات والسعي إلى تركيز إنتاج وطني واع وكان ذلك آنذاك شبه مستحيل فكان الطاهر شريعة في نضال يومي بأريحية فكرية عالية جعلته محاورا كفؤا يحظى بالإحترام ليس في تونس فحسب، بل في بلاد المغرب العربي الكبير وفي المشرق العربي وأوروبا وإستطاع أن يجعل لتونس مكانة مرموقة في أوساط السينما الدولية وفي المهرجانات العالمية بفضل سعة خبرته وصراحة آرائه وبفضل أخلاقياته الكفاحية التي جعلته مناضلا من أجل سينما لا تخضع للمصالح التجارية خضوعا يردها عن رسالتها الإنسانية.