من زوايا نظر مختلفة.. المسرح التونسي والتحولات الاجتماعية

راضية عوني –المهدية- الأيقونة الثقافية

لطالما كان الفن الرابع ملتصقا بهموم الشعب، جل مضامينه تصب في مشاغله، هو فعل مدني بامتياز لذلك كان دوما نبراسا ومقياسا لمدى تقدم الشعوب، ربما من هذا المنطلق سيقت أشغال الندوة الفكرية من مهرجان مسارات للمسرح بالمهدية تحت عنوان “المسرح التونسي والتحولات الاجتماعية”.

انقسمت الندوة إلى فترتين صباحية ومسائية فكانت المداخلات في الأولى لكل من: بغدادي عون، وليد الدغنسي، محمد الكشو، الناصر عبد الدايم ومحمد الهادي الفرحاني. وفي الثانية عبد الجليل بوقرة، معز الوهايبي، على العمري وسهام عقيل. 

أي مسرح نريد

من أهم ما جاد به المحاضرون على المستوى النظري أولا أن هناك أفضلية الفكرة على الدال والمنطوق على الفعل المسرحي، فكان في الخطاب الفني تركيز على “تنظيم الفوضى عوض خلخلة المنتظم” بمعنى أن المثقف عموما والمسرحي خاصة يستكين نوعا ما لمقتضيات الواقع ومثلما ننقد التعليم بأنه لا يتعدّى مستوى التلقين نرى المسرحي كأنه مالك مطلق للحقيقة فيسعى إلى تنظيم الواقعلنعود في مداخلة أخرى إلى المسألة التاريخية في العملية الابداعية أسبابها ومرتكزاتها لنفهم أن هناك ضرورة ما وحاجة ملحة للفعل المسرحي بما أنه تسجيل موقف ووقفة تأمل من واقع معاش، مثلا كان هناك إقبال كبير على مسرحية صلاح الدين الأيوبي لسليمان قرداحي من مصر في فترة ما قبل الاستقلال لأنها وجدت التعبير عن حاجة الشعب التونسي إلى الاستقلال من براثن الاستعمار ونحت هوية تونسية. 

في مسار معاضد لما قيل تم التطرق إلى راهنية الفعل المسرحي وجدواه فالناظر إلى المشهد من بعيد يرى مثلا أن هناك 25 مركز فنون درامية ووجود 350 شركة انتاج مسرحي وتضاعف قيمة الدعم وعدد محترم من الفضاءات الخاصة لكن هل يعني ذلك كله أن هناك مسرحا مولدا للتفكّر في الواقع أم أن المجتمع هو الذي أخذ بزمام الأمور فأصبح هو المنتج للأفكار بعد ثورة 2011 حتى على مستوى المشهدية (نذكر جيدا أن مشهد DEGAGE الذي أقدم عليه الشعب أمام وزارة الداخلية رأيناه مرارا وتكرارا في العديد من الأعمال)

يتلقف المسرحي من واقعه أحداثا ومشاغل ويعيد انتاجه عندما تكون اللحظة فارقة ومؤثرة ومتقدة بشرارة الحياة..أما الحدث الأبرز وهو الثورة فيليها ظواهر أخرى ومشاغل من بينها الارهاب والانقطاع عن الدراسة والتطرف …

المثقف والسلطة ..خطيّ النار في فهم الواقع

في النصف الثاني من اللقاء، تم التطرق إلى علاقة المثقف بالسلطة وفي هذا الصدد ذُكرت تجربة الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة الذي آمنت به الجماهير والتفت حوله أما سر هذا الايمان ببورقيبة فيكمن في مشروع بورقيبة لبناء أمة تونسية، وقد استعمل بورقيبة في ذلك الحين الاذاعة التي دعمت المشروع التحديثي لبورقيبة وكانت عاملا مهما جدا في كسب رهان “تكوين شخصية التونسي” حيث يمكن للسياسي أن يلقي خطابا ويذهب كما يقال أدراج الرياح إنما في الفن فلتكوين شخصية التونسي هناك أساليب متعددة بالتوجه للشخصية القاعدية من بينها بث قيم التسامح وحب الوطن ونبذ القبلية..من أجل ذلك عملت الاذاعة على نقل المسرحيات مباشرة من المسرح البلدي وأنتجت مسلسلات اذاعية مثل “الحاج كلوف” و”شناب” و”برق الليل”.

في سياق متصل تم التأكيد على تشابك السياسي بالثقافي لعل أبرز تجربة في هذا الصدد “المسرح الجديد” من خلال أعمال مثل “غسالة النوادر” أو “عرب” وغيرها ومن قبل الكاتب والمفكر والصحفي محمد السنوسي.يتحول الممثل في العمل المسرحي إلى علامة دالة يجب أن يُتناول إيديولوجيا  فهو سيد من أسياد الفرجة. فاللعب المسرحي سواء كان منغلقا على ذاته أي ملتزما بالركح أو منفتحا على مذهب بريشت بكسر الجدار الرابع تشريك الجمهور في العملية الدرامية وتثويره وبالتالي جعله فاعلا قويا في سير الأحداث. من هنا تقع تلك المحاورة بين العمل الفني والمتلقي فأي جدوى للفن إن لم يكن يحاورنا ويطرح زاوية نظر للحياة.لتختتم هذه الندوة الفكرية بسؤال الحرية في التناول الفني ما بعد الثورة حيث وجد الفنان نفسه في مأزق فبعد أن كان يتحايل على الرقابة نحو الرمز والايحاء أصبح المسرح ما بعد ثورة مباشرا وفجّا إن صح التعبير مما قد جعل المسرحي يراجع أساليب الطرح الفني.