الرئيسية

من وحي الثقافة بين مطرقة “التفرهيد” وسندان الفرهدة

بطاقة لسامية بن طالب النوري – الأيقونة الثقافية

عادت بي الذاكرة إلى سنين خلت إذ كان لي أمل كبير في مستقبل الثقافة وكانت قناعتي راسخة أنه سيأتي يوم يحسب للثقافة ألف حساب وسيأتي القائد المغوار الذي سيعطيها حقّ قدرها… وها أنّي على عتبات المستقبل ومازلت أنتظر… وحلّت جائحة كورونا لتكشف المستور أكثر وتبرز معيار الثقافة لدى العامة والخاصة وظلّت الفكرة الراسخة في الأذهان هي نفسها لم تتغير بل تبنّاها أهل الحل والعقد. فهي في نظرهم لا تتعدى أن تكون وسيلة ترفيه. فهل حلّت السياسة الترفيهية محلّ السياسة الثقافية؟ ولماذا ظلّت الثقافة حبيسة صورة نمطية يطغى عليها جانب “التفرهيد” بمعنى الترفيه عن الشعب لإطراب خاطره والتنفيس عنه وتسليته؟. وتذكرت كلمات مواطنة وهي تعبّر لي عن نظرتها المحدودة للعمل في القطاع الثقافي قائلة بكل غبطة: “صحة ليكم، مالاّ عاملين جو شايخين ومتفرهدين بالمهرجانات والكتب إلخ”… فشئنا أم أبينا هذا هو الواقع المخجل وهذا هو المفهوم الراسخ في الأذهان بإستثناء قلة قليلة من أهل الذكر. والحال أنّ الثقافة قد تفرهدت نفسها بل إختنقت من فرط سوء التقدير لها وسوء التنظير لها وسوء الفهم لها وما تعانيه من جهل أو تجاهل لدورها الحقيقي.

وهذا يحيل إلى ضرورة تغيير الصورة النّمطية للمثقفين والفنانين والمبدعين والثقافة ومؤسساتها والذي يعدّ من الأولويات وذلك بضبط رسائل اتصالية أساسية تتناغم مع المحاور الإستراتيجية للسياسة الثقافية إن وجدت. فالثقافة شأن وطني وليس قطاعي فحسب يستحق أن يرفد بإرادة سياسية فعلا وليس حبرا على ورق عوضا عن سياسة الإنتظار وسياسية “بش” وسياسة “عندكش عندي”. فهل من الضروري التذكير أنّ الثقافة هي الإرتقاء بذائقة الناس ووعيهم بقيم الجمال والأخلاق الرفيعة وفخر بالهوية الوطنية وأنّ الثقافة صناعة وقطاع حيوي للتنمية الإقتصادية وأنّ الموروث الحضاري والثقافي والتراثي عامل جذب للسياحة وجسرها السرمدي نحو العالم متى تمت العناية به وتثمينه حقا وأنّ تفعيل حق المؤلف والحقوق المجاورة يجنّب المبدعين الفاقة ويحفظ ماء وجههم و أنّ الديبلوماسية الثقافية مسار فعّال لدعم التعاون والإستثمار الإقتصادي والترويج للوجهات السياحية وتعزيز العلاقات الإستراتيجية بين الأمم وأنّ الثقافة حصن منيع للشباب والأطفال من شتى الآفات كالعنف بأنواعه والإرهاب والتعصب والظلامية والهجرة السرية والإنقطاع المدرسي بصقل الحس الإبداعي فيهم وتطويره.

لا يمكن أن تقرن الثقافة بالترفيه وحتى إن كان في مضمونها نوعا من الترفيه فهو وسيلة لتمرير رسائل ذات معنى قيمي راق وليس لمجرد الإبتذال والسطحية . تونس تستحق هبّة ثقافية بعيدًا عن مبادرات عابرة وبرامج مرتجلة لا يكتب لها التواصل فتقبر برحيل مقترحيها. الثقافة هي شريان الحياة وقارب النجاة لو يقتنعون فينفذون ومزيدا من الوقت لا يضيّعون.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق