يوم لا يشبه غيره في مهرجان مسقط

فاطمة بدري -مسقط سلطنة عمان- الأيقونة

كثيرا ما حدثني أصدقائي عن سلطنة عمان ..بلد جميل وأناس يلتحفون الطيبة والبساطة، ظلت هذه الأفكار لوقت طويل مجرد تصورات عابرة حتى تسنى لي أن أستقل الطائرة إلى هناك حيث أغطي مهرجان مسقط واخضع تلك الحكايات التي رويت لي للاختبار.

وبعد أن انتهت إجراءات المطار الروتينية وجدت في انتظاري شابا عمانيا بدا وكأننا اصدقاء مسبقا من شدة ما لقيت من لطف في المعاملة وبساطة في التواصل.

وتجدر الإشارة أن فعاليات مهرجان مسقط في دورته الــ21 قد انطلقت في العاشر من جانفي الجاري وتستمر حتى التاسع من فيفري تحت شعار “تواصل وفرح” أي على مدار ما يعادل 31 يوما.

وصلت الفندق مع بداية الصباح وبعد قسط لا بأس به من الراحة عرفت أن هناك جولة مسائية في منتزه العامرات حيث تجري إحدى فعاليات مهرجان مسقط الكبرى. أخذتني سيارة حيث فعاليات المهرجان  وقد كنت أتوقع أن ما سأجده عبارة عن عروض موسيقية محلية وبعض عروض الأزياء، وغيرها مما قد يحاكي بصورة حداثية أزمنة قديمة، ولكن كانت المفاجأة. لقد حملو التاريخ والتراث ووزعوه في أرجاء هذا المنتزه الشاسع. ما كادت قدماي تطآن الباب حتى سمعت دق النحاسين وشاهدت الأيادي التي لا ترتعش رغم صعوبة الحرفة تظفر أوراق النخيل لتعد منها سلات وأشكال أخرى قد لا يتسنى لي تحديد مغزاها ولكنها حتما تعني شيئا ما أو تفصيلا ما للعماني الأصيل.

رأيت صانع سفن يدق خشبه ويركبه ليصنع مجسمات مصغرة لسفن شراعية تعني الكثير بالنسبة لتاريخ هذا البلد، سألت الرجل العجوز “هل تعدون سفنا كبيرة أو أن الأمر يقتصر على سفن صغيرة مخصصة للزينة لا غير”، قال بثقة نعم مازلنا نصنع السفن وندق ألواحها وأشرعتها بثبات إنها مهنتنا التي نتوارثها ولن نتركها. بدا واثقا فخورا بحرفته التي يمارسها على قسوتها وصعوبتها فقط لأنها جزء من حضارة وتاريخ بلاده.

تركته بإعجاب وتوقفت عند شيخ آخر يرتب خيوط شبكات الصيد، بدا الأمر مجهدا وتهيأ لي أن هذه الشباك سريعة التمزق رغم تفاصيلها المعقدة. سألت الشيخ الذي مد ساقيه حول شباكه عما إذا كان يمتهن بعد هذه الحرفة أو أن وجوده هنا للعرض فقط؟ أخبرني أنه وغيره كثيرون يستمرون في ترويض الخيوط وشبكها بدقة فيما بينها حتى تكون في النهاية جاهزة للاستعمال في الصيد، لكنه أوضح لي أن فرضية التمزق واردة في حال حاولت سمكة كبيرة التملص من الشباك بقوة رغم متانة الخيوط ودقة التشابك فيما بينها.

ودعته بابتسامة لأقف أمام ما يشبه الخيمة تتوسطها مجموعة من النساء تأخذ كل واحدة حرفة بين يديها. جلبت انتباهي إحداهن وهي تدير الرحى، نعم شابة تدير رحى يخرج من بينها حبوب مكسورة لجزيئات صغيرة في زمن لم تترك فيه الآلات مكانا لهذه التفاصيل العتيقة. أردت إلتقاط صور لها وترددت خشية أن تخجل الفتاة من حرفتها وهي لا شك تعرف أننا في زمن آخر قطع مع هذه الأشياء، لكن خابت ظنوني فقد وافقت بلا تردد بل لم تربكها الكاميرا، لم تربكها الزوايا المختلفة التي أخذتها ظلت حركاتها ثابتة كنظرتها التي كانت تقول لي أريد المزيد من الصور.

في الجوار كانت سيدة متقدمة في العمر تخيط بعض الملابس التقليدية، سمراء تقول تفاصيل ملامحها ونظرتها الثاقبة أن الحياة أو هذه الحرفة التي بين يديها قد علمتها الكثير من الصبر والحكمة. لم تتهيأ للصورة ولم ترتبك إلى حد تخال معه أنها تجاهلت وجودك وواصلت الخياطة رغم وعيها أنك تقف أمامها تطوع تفاصيلها من أجل صورة جميلة.

وعلى مقربة رأيت طفلا يجلس بثبات وراء منسوج طويل وأصابعه تمر بين الخيوط برشاقة ودقة لافتة، وإلى جواره رجل كبير يقوم بذات المهمة فتوقعت أنه أحد الزائرين يحاول تجربة الأمر ولكن هيهات أيضا. اقتربت بحذر لصغر سن الحرفي وألقيت التحية ردها بابتسامة خجولة شجعتني على الحديث معه. سألته ما الذي تنسجه؟ وهل تقوم بذلك للتسلية أم أنك تساعد والدك بشكل دائم؟ أخبرني أنهم ينسجون ما يشبة الحزام كأحد الوسائل المعتمدة لتسلق النخيل، وأنه يمتهن هذه الحرفة منذ زمن رغم أنه في عمر صغير جدا قياسا لصعوبة ما يقوم به.

وتعد ثمار التمر المحصول الأول في سلطنة عمان والأكثر انتشارا بل نظاما بيئيا وزراعيا متكاملا. وتقول التقارير العمانية الرسمية في السلطنة أن نخيل التمر يحتل 83.2 بالمئة من المساحة الزراعية لمحاصيل الفاكهة بما يعادل 101.4 الف فدان أي ما يعادل 410 كلم مربع  ويبلغ عدد أشجار النخيل بالسلطنة وفقا للتعداد الزراعي حوالي 8 مليون نخلة تقريبا، كما يمثل قطاع التمور أهمية اقتصادية واجتماعية للمجتمع الريفي فضلا عن كونه أحد أهم المحركات الاقتصادية الثابتة في البلاد.

الحقيقة أن معارض الحرف في المنتزه كانت كثيرة ومتنوعة وقد يطول شرحها وتفصيلها، لكنها في المجمل كانت محملة بكل تفاصيل الحياة التقليدية البدوية للعمانيين. لقد كانت عبارة عن صور حية أو ترجمان مباشرا للبيئة البحرية الزراعية الحرفية للسلطنة يمكن من خلالها أن يفهم الزائر الغريب عن البلد بدقة هوية هذه الأرض وموروثها الحضاري الثري والمتنوع، والأهم الحي والمستمر رغم المتغيرات الطارئة في العالم خاصة بعد هيمنة التكنولوجيا.

وفي نفس الفضاء، منتزه العامرات، شدني مشهد قد لا تراه في الكثير من البلدان العربية رغم تشابه موروثنا الثقافي. فلدى تتبعي للعروض الموسيقية الفلكلورية الراقصة شاهدت ثلاثة أجيال تعني وترقص على نفس الموروث. في البداية استوقفتني فرقة من الرجال في عمر الآباء والأجداد ولم يكن الأمر مثيرا فعادة ما يكون الكبار أكثر إلتصاقا بكل ما هو تراثي تقليدي رغم جمال العرض وبساطته توقفت برهة ثم مررت. استوقفني عدد من الشباب إناثا وذكورا يقدمون عروضا مشابهة، هنا تساءلت هل من الممكن حقا أن يكون هناك بعض الشباب في هذه الأيام في هذا العصر الذي طغت عليه الايقاعات الصاخبة القادمة من عوالم مختلفة أن يكون وفيا لإيقاعات ورقصات ضاربة في القدم؟ والحقيقة أنني لم أجد الإجابة في ذلك الحين.

ولكن جاءتني دهشة أخرى وأنا أرى فتية صغار يرتدون أزياء تقليدية ويغنون ذات الأغاني ويرقصون على ذات الإيقاع بمهارة ووله. بدا الأمر كله بما بشبه لوحة حاولت تركيب قطعها فكانت في غاية الوضوح، رأيت الآباء يسلمون مشعل التراث والهوية والأصالة للشباب وهم بدورهم يسلموه للأطفال حتى يستمر هذا الموروث ويبقى حيا دائما.

ولدى سؤالي لماجد بن سعيد بن هلال المحروقي المدير العام للإعلام الخارجي بالسلطنة عن سر التركيز عن الجانب التراثي في المهرجان قال “إن أحد الاهداف الكبرى لمهرجان مسقط هي الترويج لحضارتنا العمانية وموروثنا الحضاري والثقافي بكل ثراءه وتنوعه، كما نحرص على توعية وتحسيس الجيل الجديد الذي لم يعايش مراحل معينة من تاريخ البلاد بأهمية الحفاظ على هويتنا وأصالتنا والتمسك بها بشكل دائم”.

ويذكر أن المهرجان وضع برمجة ثرية متنوعة تشمل فعاليات ثقافية وفنية وياضية لتأثيث هذه الأيام تجمع بين العروض الموسيقية الأجنبية والمحلية والمعارض مع التركيز بشكل كبير على تقديم كل ما يتعلق بالتراث والأصالة ضمن التظاهرات كمحطة رئيسية ويومية في أكثر من فضاء أهمها منتزهي العامرات والنسيم فضلا عن مواقع أخرى منها مسرح المدينة والجمعية العمانية للسيارات ومسارات الطواف في عدد من محافظات السلطنة وجمعية الكتاب والأدباء وجمعية التصوير الضوئي ودار الأوبرا السلطانية وجامع السلطان قابوس الأكبر والنادي الثقافي وعدد من المعارض والأروقة والساحات.

وتبدأ فعاليات “طواف عمان”، وهي الحدث الرياضي العالمي الذي يقام ضمن الفعاليات الرياضية للمهرجان، في الـ16 من فيفري وتستمر حتى الـ21 من نفس الشهر.