“200 متر” لأمين نايفة: فيلم قـــال الكـــثير دون ضجـــيج

ليلى العوني – الأيقونة الثقافية

عندما يتحول مغتصب الأرض إلى مدافع عن أصحابها ومناصر لهم ولحقهم في العيش وعندما يصبح العدوّ صديقا وينقلب الظالم على ظلمه ويشعر ولو لحين بفظاعة ما يقوم به تجاه الآخر، هنا فقط يعلن – ولو رمزا- بأحقية الشعب المغتصَب أرضه في العيش فيها وبواقعه كمحتل غاشم يأخذ مالا يملك.

“200 متر” للمخرج الفلسطيني أمين نايفة يثبت أن عرب 48 هم فلسطينيون في دولة محتلة وليسوا إسرائيليين من أصل عربي كما يحاول الصهاينة الترويج لهم وأن الإنتماء يكون دائما لفلسطين وهم يدفعون ثمن ذلك باهضا جدا عكس ما يعتقد البعض أن من يعيش تحت علم المحتل هو ثري وله حقوق…كل هذا “هراء” يثبت عكسه الفيلم.

قصة الفيلم

الفيلم ينتمي إلى “فئتي الدراما العائلية و Road Movie” أو سينما الطريق ويروي قصة زوجين “مصطفى وسلوى” يعيشان في قريتين على بعد 200 متر فقط، ويحول بينهما “الجدار الفاصل” ذلك الجدار العنصري العازل الذي جعل العائلات تتمزق فتكاد تتلاشى الروابط ولكن الممثل علي سليمان الذي قام بدور “مصطفى” يحاول جاهدا التواجد مع زوجته وأطفاله. تؤثر ظروفهما المعيشية الإستثنائية والعقبات التي تعترض طريقهما على حياتهما الزوجية، في يوم ما يتلقى مصطفى مكالمة هاتفية مفادها أن ابنه تعرّض لحادث وهو في المستشفى. مسرعا لعبور نقطة التفتيش الإسرائيلية، تتحوّل رحلة الـ 200 متر إلى ملحمة ينظم إليها مسافرون آخرون مصممون جميعاً على عبور الحاجز”.

المفارقة

في تلك الرحلة تتجلى القيم والمبادئ وينتصر الحق ولو لحين فقد كان من بين المسافرين “آنا” أو هكذا سمت نفسها فهي من أب إسرائيلي -ولكنها تخفي ذلك- وأم ألمانية وتعمل على تصوير فيلم داخل السيارة…تلك الرحلات المتحدية “لقانون الصهاينة” لنكن أكثر افصاحا ففي الحكاية صراع اسرائيلي – اسرائيلي حيث يتم إستبدال السائق الفلسطيني بآخر إسرائيلي لنرى هنا المفارقة بين ما يقوم به ذاك الكيان الهجين من إجراءات صارمة متعجرفة ودنيئة وبين ما يقوم به الشعب الإسرائيلي من خرق لتلك “الإجراءات” مقابل المصلحة المادية.

عندما إكتشف السائق الإسرائيلي  وجود كاميرا عند آنا أراد إنتزاعها منها وضربها فأغمي عليها وولى هاربا.. عند إستقاظها تذكرت آنا وجود الفلسطينيين داخل شنطة السيارة لتهرول وتنقذ المسافرين من موت محقق. وهو ما دفعها لقيادة السيارة والتحدث باللغة العبرية مع الحرس الإسرائيلي وجعل الجميع يدخل بسلام إلى منطقة الكيان الصهيوني لينتهي الفيلم بلحاق الأب بإبنه في المستشفى.

بساطة الأسلوب وعمقه

في فيلم ” 200 متر” لأمين نايفة نشاهد ونشعر معاناة عرب 48 الذين رفضوا بإباء الجنسية الإسرائيلية وما يترتب عن هذا القرار من معاناة يومية في العيش بين اليهود وفي المرور عبر الجسر العنصري الذي يفصل الكيان الصهيوني عن فلسطين. تتعدد وتتنوع الأفلام التي تروي معاناة الشعب الفلسطيني، لكن طرح أمين بن نايفة كان مختلفا فقد جعلنا نشعر هذه المعاناة بأسلوب رمزي غير متكلف، أحداث بسيطة يعيشها يوميا الفلسطيني الموجود داخل الإحتلال ويتعايش معها كل يوم ولكنها في المقابل ترمز للأحداث الكبرى كالإنقسام الفلسطيني – الفلسطيني، الجهل، الفقر…

لم يكن الفيلم مليئا بالبطولات ولا الأحداث الوطنية والحرب والسلاح والدماء بل كان يعايش الواقع. يرى الفلسطيني نفسه في هذا الفليم كأنه أمام مرآة مادحة وناقدة في آن.. فقد كان الفيلم توليفة إنسانية جميلة وحقيقية لا تخلو من إبتسامة ومن طرافة القول، عن رحلة شبه يومية قد يقطعها أي فلسطيني بين الضفة والداخل الإسرائيلي للعمل فيها.

نجح الممثل الفنان علي سليمان في تجسيد دور “مصطفى” فقد كان تلقائيا تقمص الشخصية ببراعة وذاب كيانه فيها حتى صار حقيقة “مصطفى” وكانت لغة جسده متكامله مع الحوار الذي يقوله ويعبر بعينيه أضعاف ما يقوله، لقد ملأ الكاميرا حضورا وآداء كل ذلك دون بطولية ولا محاولة لجذب المشاهد نحو الشعارات الكبرى المهترئة التي لم يعد لها أثر لدى الفلسطينيين ولا حتى العالم كله، فكانت مشاهد بسيطة حقيقية مع ظبط إيقاع الفيلم بحيث لا يمل المشاهد وفي نفس الوقت لا يكون المحتوى ثقيلا كل ذلك مع موسيقى تدخل وتختفي في وقتها وأين يجب أن تكون.

جوائز الفيلم

“200 متر” هو الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرج أمين نايفة عُرض خلال الدورة الحالية لأيام قرطاج السينمائية بحضور السفير الفلسطيني هائل الفاهوم وكان العرض العالمي الأول للفيلم في مهرجان البندقية السينمائي الدولي في قسم “أيام فينيسيا”، في أوت الماضي، حيث فاز بجائزة الجمهور. كما حصل علي سليمان على جائزة أفضل ممثل في مهرجان أنطاليا السينمائي، ومن ثم حصد الفيلم ثلاث جوائز في مهرجان الجونة السينمائي وهي جائزة سينما من أجل الإنسانية وجائزة الإتحاد الدولي للنقاد (فيبريسكي) وجائزة أفضل ممثل.. وكان من نصيب الفيلم الفوز مؤخرا بجائزتي “Meet the Neighbors Golden Alexander” وأفضل مخرج في مهرجان تيسالونيكي الحادي والستين، وجائزة أفضل فيلم على الشاشة في الإختيار الرسمي للقصص الإستثنائية في مهرجان إشبيلية للأفلام. حاليا سيمثل الفيلم الأردن في جائزة الأوسكار لسنة 2021.